إنَّ كتابة مقالٍ عن فيلم «قرار الرحيل» (Decision to Leave - 2022) ليست بالمهمَّة السهلة، إذ تبدو اللغة عاجزةً عن الإحاطة بتعقيدات المشاعر التي يعالجها الفيلم دون الوقوع في فخِّ الابتذالِ أو التنميط. يُقدِّم المخرج بارك تشان ووك عملًا يحمل تعقيدًا سرديًّا وبصريًّا يصعبُ تفكيك رموزه من المشاهدة الأولى، فهو لا يتناول الحبَّ بمعناه الرومانسي، بل يقفُ عند حدٍّ فاصلٍ تتقابل عنده مشاعر الطرفين، كسطح مرآة تتشابه فيه الصورة وانعكاسها أمام عين الرائي، وتنصهر المعاني السابقة داخل بوتقةِ النوع الفيلمي الذي ينتمي إليه الفيلم مكوِّنةً مزيجًا لا يخبو سحره مع كلِّ مشاهدة.
أحد المفاتيح الأساسيَّة لفهم بناء الفيلم يكمن في اتِّباع المخرج لأسلوبٍ أشبه بــ"المقابلة" البلاغيَّة. والمقابلة في جماليَّات اللغة تُستَخدم لخلقِ توازنٍ بين المعاني المتقابلة، وذلك بهدف تسليط الضوء على التناقضات وتعزيز الأثر الجمالي للنص. والمقابلة لا تقتصرُ على الأدب فحسب، بل تمتدُّ إلى السينما، حيث تُوظَّف أحيانًا في السرد، والمونتاج، والتكوين البصري لتوليد معانٍ متعدِّدة. وكما يوضحُ المنظِّر السينمائي ديفيد بوردويل، فإن «التكرار والتقابل في السرد البصريِّ لا يشكِّلان مجرَّد تقنيَّاتٍ شكليَّة، بل يمثِّلان أداتين جوهريَّتين في بناء المعنى، لا سيما في الأفلام التي تعتمدُ على التفاعل العاطفي بين الشخصيَّات». وهكذا يشكِّلُ «قرار الرحيل» عالمًا سرديًا متوازيًا كما لو أنَّه مرآةٌ تكشفُ لنا زوايا خفيَّة في كلِّ مرَّةٍ يعادُ النظر إليها.
السرد المتقابل في الفيلم
يدور الفيلم حول العلاقة التي تجمع بين جانغ هاي جون (بارك هاي إيل)، المحقِّق الجنائي، وسيو راي (تانغ وي)، أرملةٌ شابَّةٌ من أصولٍ صينيَّة، وذلك أثناء تحقيقِ الأوَّل في حادثة موت زوجِ الأخيرة الكوري. إذا تحرَّينا المقابلة في السرد، فمن الأفضل التوقُّف عند النقطة التي تتبلور عندها المقابلة، وهي نقطة منتصف الفيلم التي تشكل حدًّا فاصلًا في السرد، وبها تنقسمُ الأحداث إلى قسمين متقاربين في البناء بمعانٍ وتفاصيل متباينة. هذه النقطة نجدها في مشهدِ المواجهة بين المحقِّق والبطلة، وارتيابه من ارتكابها للجريمة. بهذا المشهد تتشكَّلُ القسمة السرديَّة، فما يأتي بعدها يتباين مع ما قبلها، ولا تتَّضح أهميته إلا بنهاية الأحداث، مما يمنحه أهميَّة خاصة، ليس فقط لموقعه المحوري، بل لأنَّه يمهِّد للجملة الحواريَّة الشهيرة التي ستكلِّلُ ذروة الأحداث قرب النهاية، وهي التالية:
«اللحظة التي اعترفت لي بحبك ... هي نفس اللحظة التي انتهى فيها حبك
وفي اللحظة التي انتهى فيها حبك … بدأ فيها حبي». (سيو راي)
بالنظر مليًا للجمل السابقة، سنجدها تحمل في طيَّاتها التقسيم السردي للفيلم، وتشير إلى مشهدِ منتصف الأحداث، كما سنجد بها مقابلةً لغويَّةً لاحتوائها على معانٍ متقابلةٍ توضح طبيعة المشاعر المراوغة بين البطل والبطلة. فعلى سبيل المثال، تشيرُ الجمل الأولى منها إلى لحظة الاعتراف بالمشاعر، ومسبِّباتها من أحداث في القسم الأوَّل من الفيلم، الذي نتعرَّف فيه على المحقق، وعلى جريمةٍ سابقةٍ يعجز عن حلِّها. ثمَّ تقع الجريمة التي تقوده إلى لقاء البطلة، ويقع في غرامها من النظرة الأولى، ومع تقدُّم التحقيق وهوسه بمراقبتها يزداد تعلُّقًا بها، وهي تدرك ذلك جيدًا، فتستغلُّ مشاعره لصالحها لإبعاد الشبهات عنها. وعند اقتناعه ببراءتها، ينساق وراء مشاعره متجاوزًا أخلاقيَّات مهنته، متناسيًا زوجته وزواجه.
ومع أوَّل حجرٍ يُلقيه بارك تشان ووك على صفحة مياه السرد الهادئة، تتزايدُ شكوك المحقِّق، ومعه المُشاهد، ويضعُ سيو راي مرَّةً أخرى موضع الاتهام، فتحدثُ المواجهة بينهما. تحاول أن تَنفي عنها هذه الشكوك، وهو بدوره يؤكِّدها بتفسيراته لأفعالها، حتى يبوح لها بمشاعره التي تنتهي بطعنتها لكبريائه كشرطيٍّ وكرجل، لينهي ما بدأ مع النظرة الأولى بينهما، ويحلُّ الأرتياب محل الحب، منهيًا بذلك القسم الأول من السرد.
ومع بداية القسم الثاني من الأحداث ومضيِّ فترةٍ من الزمن، ينتقل البطل رفقة زوجته للعيش والعمل في المدينة ويتولَّى قضيَّةً جديدة. ثمَّ تشاء الأقدار (أو هكذا يبدو لنا) أن يقابلَ سيو راي بصحبةِ زوجها الثاني. تنقلب الأوضاع عندما يتولَّى التحقيق في مقتل هذا الزوج، لتعاوده الشكوك وتطفو على السطح وتعكر عليه صفو حياته، فيعتزم الإيقاع بها هذه المرة.
نلاحظ وجود تشابهٍ في البنية السرديَّة بين قسمي الأحداث. يصور الأول منهما الافتتان الوهمي، أما الثاني فيجسد تطرُّف مشاعر البطلة للتقرُّب من حبيبها، وكأنَّ ما حجبه النص عنَّا عمدًا في البداية نراه مع تقدُّم الأحداث. وإذا كان القسم الأول ينتهي بمشهد المواجهة واعتراف جانغ هاي جون بمشاعره تجاهها، يقابله في نهاية الفصل الثاني اعتراف سيو راي بمشاعرها نحوه مثلما تعبِّر عنها بكلامها في الجملة التي بدأت بها قراءة المقابلة في السرد، وبالتالي تشبهُ النقطة الفاصلة في الأحداث إلى حدٍّ كبيرٍ المرآة، حيث تنعكس فيها صورة الأحداث، وكذلك طبيعة العلاقة بين البطل والبطلة.
يشارك المخرج بارك تشان ووك كتابة أفلامه التي تبرز فيها الأدوار النسائيَّة مع الكاتبة جيونغ سيو كيونغ، والتي قدَّمت معه عددًا من الشخصيَّات النسائيَّة الاستثنائية، مثل شخصيَّة لي غوم جا في «سيدة الانتقام» (Lady Vengeance - 2005)، وشخصيَّة تاي جو في «العطش» (Thirst - 2009)، وشخصيَّة إيزومي هيدِكو في «الخادمة» (The Handmaiden - 2016)، وأخيرًا شخصية سيو راي في «قرار الرحيل».
في هذا الفيلم، كان تشان ووك معنيًّا برسمِ التفاصيل الخاصَّة بشخصيَّة المحقق، في الوقت الذي تولَّت جيونغ سيو كيونغ صياغة تعقيدات شخصيَّة سيو راي، ممَّا منحها عمقًا نفسيًّا ودراميًّا مميزًا. هذه الثنائية في الكتابة لم تُساهِم فقط في إبراز تباين الشخصيَّتين، بل أضافت بعدًا عاطفيًا وسرديًا أكثر ثراءً.
لا شكَّ أنَّ شخصيَّة سيو راي أكثر تعقيدًا من شخصية البطل، لأنَّ النص يتعمَّد إخفاء معلوماتٍ عنها في القسم الأول، إلا تلك التي يكشفها الضابط أثناء التحقيقات، وذلك لدعمِ حالة الشكِّ المرتبطة بتبنِّي وجهة نظر البطل التي تتشكَّلُ خلال القسم الأول.
ولزيادة التعقيد في بناءِ شخصيَّتها، يستخدمُ المخرج نوعًا من التوازي في الحبكة الفرعيَّة للجريمة التي يحاول المحقِّقُ حلَّها، ونجدُ من خلال تقاطعِ هذه الحبكة مع الحبكة الرئيسية (بين المحقق والبطلة) أوجه التشابه بين المجرم العاشق بطل هذه الحبكة وبين سيو راي، فهي التي قررت بالنهاية أن تصبحَ قضيَّة المحقِّق الوحيدة التي تستعصي على النسيان، مثلما فضل المجرم الموتَ عن السجن والابتعاد عن حبيبته. تتَّضح شخصيَّة سيو راي تدريجيًّا في القسم الثاني من الأحداث، ونلاحظ التغيُّر الذي طرأ على ملامحها، وزواجها للمرَّة الثانية من رجلِ أعمالٍ مُحتال، وبسببه تتعرَّض للإهانات والضرب من شركائه. ولكي تخلِّص نفسها من قيده، تُقدِم على اتخاذ قراراتٍ تظهر مدى تطرُّف مشاعرها تجاه «جانغ هاي جون».
بيد أنَّ النصَّ يقدِّمُ مبرِّراتٍ لهذا التطرُّف في بناء شخصيَّتها، فهي فتاةٌ وحيدةٌ فرَّت من بلادها بعد وفاة والدتها، ووصلت إلى الشواطئ الكوريَّة بطريقةٍ غير قانونيَّة، حيثُ أنقذها زوجها الأول. ومن الأخير تحملت الضرب والإهانات، بل ووسَم جسدَها بحروفِ اسمه مثل الماشية، دون أن تكترث لفارقِ السن الكبير بينهما. يُضاف إلى ذلك ارتيابَها تجاه الأمن الكوري، ربَّما نتيجة العلاقات التاريخيَّة المضطربة بين كوريا الجنوبية والصين، ممَّا عزَّز شعورها بالغربة في هذا المجتمع. وبالتالي فهي امرأة تسعى للبقاء والنجاة، حتى لو دفعتها الأقدار دومًا إلى صحبة رجالٍ سيِّئين، كما تبوحُ بذلك للشرطي، الرجل الوحيد النزيه الذي أحبَّته وتعلقت به.
وبالتالي تصبحُ هي من تقودُ السرد في الفصل الثاني من الأحداث، حيث تأخذُ دورُ المراقِبة، تتابع تحرُّكاته وتسجِّلُها. ويتصاعد هوسها به مع تزايد الشكوك حولها عقِب مصرعِ زوجها الثاني أيضًا، وكلَّما ازداد ارتياب البطل ازداد تعلقها به، ليصبح هوسُها وحبُّها لهُ أكثرَ وضوحًا.
التشابه الفضفاض بين الفيلم و أسطورة نارسيس وإيكو
تحملُ العلاقة بين بطلي «قرار الرحيل» صدى بعيدًا لأسطورة «نارسيس وإيكو»، حيث تهيمنُ فكرةَ الحب غير المتبادل وسوء الفهم العاطفي. إلَّا أنَّ هذه المأساة تتَّخذ هنا بُعدًا أكثر تعقيدًا بفعلِ حاجز اللغة، الذي يجعلُ التواصل بين الشخصيتين محكومًا بالفجوات والتأويلات.
ومثلما كان نارسيس أسير صورته المنعكسة على سطح الماء، بدا المحقق الكوري مأخوذًا بصورة البطلة التي رسمها في خياله، لا بحقيقتِها. كان يراقبها من بعيد، يجمعُ تفاصيل حياتها كأنَّها انعكاسٌ غامضٌ يسعى لفكِّ رموزه. ولكن كلَّما اقترب منها، زادت المسافة بين إدراكه لماهيَّتها الحقيقيَّة وبين الصورة التي أراد رؤيتها فيها. في المقابل، كانت هي تهيم به حبًا، ولكنَّه لم يستطع فهم لغتها تمامًا، لا مجازيًّا ولا حرفيًّا، إذ كانت تعبِّرُ أحيانًا عن مشاعرها باللغة الصينيَّة، بينما يلجأ هو إلى الترجمة الآليَّة لفهمها، في علاقةٍ تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ معاناة إيكو التي لم يكن بمقدورها سوى ترديد الكلمات التي تسمعها دون أن تعبِّر عن ذاتها.
لكن بينما ظلَّت إيكو أسيرة تعنُّتها، تمكَّنت البطلة، في النصف الثاني من الفيلم، من إعادة صياغة العلاقة بطريقةٍ معكوسة. فبعد أن كان المحقِّق هو من يراقبها ويوثِّق حياتها، أصبحت هي من تتلصَّص عليه، تسجِّلُ صوته وتحفظ تفاصيلَه، لكنَّها تفعل ذلك بلغتها الخاصة، بالصينيَّة التي لا يفهمها، لتصبح كأنَّها ترسمُ صورةً له لن يدرك معناها الحقيقي إلا عند النهاية، حين تُفلِت منه كما أفلتت الحقيقة دائمًا من بين يديه.
عند النهاية، يَلقَى كلُّ واحدٍ منهما مصيره المأساوي كما حدث في الأسطورة. في «قرار الرحيل»، تختارُ البطلة أن تختفي في البحر، مدفونةً بين الموجات التي لن تترك أثرًا خلفها، تمامًا كما تلاشت إيكو وأصبحت مجرَّد صدى. وفي الأسطورة، حين أدرك «نارسيس» عبثيَّة حبه، نطق بكلماته الأخيرة: «وداعًا لمن أحببت بلا جدوى» فردَّدت إيكو وراءه: «وداعًا لمن أحببت بلا جدوى».
كذلك، في لحظة وداعهما الأخيرة، حين أراد المحقِّق أن يفهمها أخيرًا، كانت قد رحلت بالفعل، تاركة وراءها صدى كلماتٍ لم يدرك معناها إلا بعد فوات الأوان.
التوظيف البصري للمقابلة
تُعتَبرُ المقابلة البصريَّة في الفيلم أكثر تعقيدًا من نظيرتها السرديَّة، إذ يغرسُ المخرجُ موتيفاتٍ بصريَّةً لا تتَّضِحُ معانيها إلا مع تقدُّم الأحداث أو عند النهاية. على سبيل المثال، يؤسِّس لفكرةِ الصورة المتوهِّمة نتيجةَ الافتتان بالآخر من خلال الاستخدام البارعِ للَّقطة الأماميَّة الذاتيَّة في مشهد التحقيق في القسم الأول.
عندما يسألُ المحقِّق البطلة عن الكيفيَّة التي تفضِّل بها معرفة تفاصيل حادث زوجها، يُبرِز المخرج أهميَّة ردِّها—حين تجيبُ بأنَّها تفضِّلُ مشاهدة صورِ الحادث — باستخدام اللقطة الأماميَّة للقطةِ ردِّ الفعل الخاصة بها. تبدو هذه اللقطة كما لو كانت نظرةً في مرآة الآخر، حيث تواجه البطلةُ البطلَ مباشرةً، كما تواجه الجمهور. لا تتَّضح أهميَّة هذه اللقطة في لحظتها، لأنَّ المخرجَ يوظِّفها تمهيدًا لمشهدٍ لاحق، تحديدًا حين يخبرها «جانغ هاي جون» أنَّ تلك اللحظة كانت أوَّل مرَّةٍ يدرك فيها مدى التشابه بينهما.
كما يتجلَّى في نفس المشهد ما أعنيه بالمقابلة البصريَّة، والتي ترتكز على الصورة الوهميَّة أو المتخيَّلة للبطلة في ذهن المحقِّق المأخوذ بها، وذلك عبر الانعكاسات المتكرِّرة بينهما باستخدام المرآة، إضافةً إلى تقنيَّة التناوب في التركيز، ممَّا يشي بمصيرهما المحتوم.
يستخدمُ المخرج في هذا المشهد أسلوب التناوب في التركيز (Rack Focus)، حيث تبدأ اللقطة التأسيسيَّة بمشهدٍ جانبي يجمعهما معًا، بينما تظهر المرآةُ في عمق الغرفة. وعندما تبدأ البطلة بالحديث، يتحوَّل تركيز الكاميرا إلى انعكاس المحقِّق في المرآة بدلًا من صورته المباشرة أمامها، في إيحاء بأنَّ كليهما يتحدَّث إلى صورةٍ غير حقيقيَّةٍ للآخر في مخيِّلته.
يُقابلُ هذا المشهد في القسم الثاني مشهدَ تحقيقٍ آخر يختلفُ عنه بصريًا. يبدأ المشهد من داخل غرفة مساعِدَة المحقِّق، حيث تتابِع التحقيق عبر شاشتين: إحداهُما للمحقِّق والأخرى لسيو راي. مع بداية التحقيق، تنتقل كاميرا بارك تشان ووك بحركةٍ أفقيَّةٍ (Pan) تُظهرُ انفصالهما، إذ يصبحُ كلٌّ منهُما في شاشةٍ مستقلَّة، قبل أن يستقرَ المشهدُ على استخدام التناوب في اللقطات فوق الكتف (Over the Shoulder).
بمقارنةِ هذا المشهد مع مشهدِ التحقيق الأول، تتَّضحُ ديناميكيَّة العلاقة المتغيِّرة بين الشخصيَّتين، حتى في التفاصيل الصغيرة، مثل نوع الوجبة التي يوصي بها المحقِّقُ أثناء التحقيق، حيث تنتقل من وجبةٍ فاخرةٍ في القسم الأول إلى أخرى بسيطةٍ متواضعةٍ في القسم الثاني.
النهاية وعلاقتها بالسرد البصري
يواصل المخرجُ توظيف المقابلةِ البصريَّةِ لتأسيسِ نهاية الفيلم منذ بدايته، وتحديدًا منذ وقوع الجريمة التي ستحدِّدُ مصير الشخصيَّتين، حيث تأتي هذه النهاية في صيغةٍ بصريَّةٍ خالصة. كما يستخدمُ الانتقال بين لقطةٍ علويَّةٍ وأخرى سفلية، وكلاهما تمثِّلان وجهات نظرٍ ذاتيَّة، إلا أنَّ السفلية تعكسُ نظرةَ شخصٍ ميِّت، يرى العالم من زاويته الأخيرة، بينما تمثِّلُ اللقطةُ العلويَّة نظرةَ الشخص الحي، الذي ما يزال يبحثُ عن إجابات.
يُختَتَم الفيلم بمشهد المحقِّق وهو يبحثُ عن سيو راي بين أمواج البحر المتلاطمة، مناديًا باسمها في كلِّ مكان. كان نداؤه بمثابة سؤال، بينما جاءت الإجابة عبر حركة الكاميرا التي ربطت بين اللقطتين العلويَّة والسفليَّة، تمامًا كما أسَّس لها المخرج منذ البداية. كانت حبيبته أقرب إليه ممَّا يظن، كما كانت إيكو أقرب لنارسيس من انعكاسه، بيد أنَّ هوسَه بذاته—رغبته في القبض عليها وحل الجريمة—جعله عاجزًا عن رؤيتها.
يُقدِّم «قرار الرحيل» تجربةً سينمائيَّةً تتجاوزُ حدود السرد التقليدي، حيث تتداخل المشاعر مع البناء البصري، ويتحوَّل الحبُ إلى لغزٍ يضاهي تعقيد الجريمة نفسها. وعبر تقنيَّة المقابلة في السرد والصورة، ينسج بارك تشان ووك قصَّةً مشحونةً بالتوتُّر العاطفي، حيث يظل الحب معلقًا بين الفهم وسوء الفهم، وبين القرب والفَقد. في النهاية، لا يمنحُنا الفيلم إجاباتٍ واضحة، بل يتركنا عالقين في مرآة المشاعر المتقابلة، حيث يُصبح الرحيلُ هو الشكلُ الأخير للحب، والصمت هو الصدى الوحيد الباقي لعلاقةٍ لم تكتمل.