المثقف والسلطة ويوسف شاهين فيلم «المصير» نموذجًا

حذيفة أمين
و
March 23, 2025

مقدمة:

تُعَدُّ السينما فنًّا من الفنون الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، لما تمتَلكه من قدرةٍ على توجيه السلوكيَّات، وإعادة تشكيلِ الوعي الجمعي، وترسيخ الضمير الأخلاقي داخل المجتمعات. إنَّها ليست مجرَّد وسيلةٍ للترفيه، بل هي مساحةٌ إبداعيَّةٌ تترك أثرها العميق في التكوين النفسيِّ والجماليِّ للأفراد المتفاعلين معها. ومن بين الأسماء البارزة التي استطاعت توظيف الفنِّ السابع في التعبير عن قضايا المجتمع العربي وإعادة قراءة تاريخه السياسيِّ والاجتماعي، يبرزُ اسم المخرج والكاتب السينمائي يوسف شاهين، الذي يُعَدُّ واحدًا من روَّاد الحركة الإبداعيَّة الحديثة في مصر والعالم العربي.

تميَّز يوسف شاهين برؤيةٍ سينمائيَّةٍ خاصَّةٍ تستندُ إلى مقاربةٍ نقديَّةٍ للواقع، حيثُ كشف في أعماله عن الخصوصيَّات الثقافيَّة والباتولوجيا السياسيَّة التي شكَّلت معالم المجتمعات العربيَّة. تجاوزت أفلامه الثلاثين عملًا سينمائيًا طويلًا ونالت العديد من الجوائز والتكريمات، وذلك لما تحمله من عمقٍ فكريٍّ وطرحٍ إبداعيٍّ متفرِّد. تعكس أفلامه انشغالًا دائمًا بمعاناة الإنسان داخل المنظومة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، مسلِّطةً الضوءَ على التفاعل الجدلي بين الأفراد والسلطة، ومدى انعكاس ذلك على حياتهم داخل بيئاتهم الميكروسوسيولوجية.

يُعَدُّ فيلم «المصير» (1997) واحدًا من أبرز أعمال شاهين التي تتناول العلاقةَ الشائكة بين المثقَّف والسُلطة في سياق التحولات السياسيَّة العاصفة، حيثُ عالج الفيلم إشكاليَّة الإرهاب الأصوليِّ في فترة أفول الدولة الإسلاميَّة في الأندلس. وعبر معالجةٍ بصريَّةٍ مُتقنة، يقدِّم شاهين رؤيةً دراميَّةً للصراعِ بين السلطة السياسيَّة وخصمِها الأخطر، أي المثقَّف العضوي، الخصم الذي يظلُّ حاملًا لمشروعٍ فكريٍّ يواجه به محاولات القمع والتغييب. بهذا يضع شاهين المتَّلقي أمام قراءةٍ تأمليَّةٍ لآليات الصدام بين الفكر والسلطة، مستندًا إلى لغة سينمائيَّةٍ تُجسِّد رؤيته النقديَّة العميقة لمجتمعه وتاريخه.

الإشكالية البحثية:

تتناول هذه الدراسة إشكاليَّة محوريَّة تتعلَّق بقدرة يوسف شاهين، خلال مسيرته السينمائيَّة الممتدة لأكثر من خمسة عقود، على تقديم قراءةٍ نقديَّةٍ عميقةٍ للصراعات النفسيَّة والسياسيَّة داخل المنظومة الاجتماعيَّة، وإبراز دور المثقَّف العضوي كفاعلٍ رئيسيٍّ في مواجهة السلطة. فهل استطاع شاهين، من خلال أعماله السينمائيَّة، أن يستشرف صراعاتٍ مستقبليَّةً تتعلق بأهميَّة المثقف داخل بنية المجتمع؟ وهل يمكن اعتبار مقاربته لقضيَّة تحرُّر الإنسان بمثابةِ ردِّ فعلٍ تراجيدي على الاختلالات الوظيفيَّة للحكم العُرفي والسلطوي في المجتمعات العربيَّة؟

يمثِّلُ الفن، في صيغته الحديثة، حالةً تعبيريَّةً متحرِّرةً من الإكراهات الأيديولوجية والدينيَّة والسياسيَّة التي طالما كبَّلته في العالم العربي، غير أن تحقيق هذا التحرر لم يكن ممكنًا إلا بعد تجاوز مرحلة من القطيعة مع الفكر الإبداعي، وهي المرحلة التي شهدت محاولات لإبطال أي اجتهاد إنساني أو إنتاج فني يُنظر إليه على أنه يتعارض مع منظومة القيم التقليدية السائدة. وقد أدى هذا الصراع بين التحديث والانغلاق الفكري إلى اعتبار الممارسة الفنية، في فترات تاريخية معينة، تهديدًا للبنية الاجتماعية والدينية، ما أفضى إلى اضطهاد الفنانين وتشويه صورتهم داخل الوعي الجمعي.

في هذا السياق، يعكس خطاب يوسف شاهين السينمائي موقفًا نقديًا تجاه هذه الإشكاليَّة، إذ تبنَّى في أعمالِه طرحًا جدليًّا يعيد النظر في علاقة الفنِّ بالمجتمع، ويتحدَّى التصوُّرات النمطيَّة التي ربطت الفن بالانحلال الفكري أو الأخلاقي. ومن خلال مقاربةٍ سينمائيَّةٍ ذات بعدٍ تاريخيٍّ وفلسفي، قدَّم شاهين في «المصير» قراءةً بصريَّةً معمَّقةً للعلاقة المتوتِّرة بين المثقَّف والسلطة، في حقبةٍ شهدت أفول الدولة الإسلاميَّة في الأندلس، مسلِّطًا الضوء على تداعيات الفكر الإقصائي الذي سعى إلى محاصرة الإبداع وتقييد حريَّة التفكير.

وتكمنُ أهميَّة هذه الدراسة في سعيها إلى تفكيكِ المنظومة الفكريَّة التي تبنَّاها يوسف شاهين في أعماله السينمائيَّة، خاصة في «المصير»، لفهمِ كيفيَّة معالجته لقضايا الحريَّة، السلطة والتحديث، وعلاقة ذلك بالسياق الثقافي والاجتماعي في العالم العربي، كما تهدفُ إلى إبراز كيف استطاع شاهين، من خلال لغته السينمائيَّة الخاصة، أن يطرح تساؤلاتٍ جوهريَّةً حول مكانة الفنِّ والمثقَّف في مواجهة نُظُم الحكم التقليديَّة، ومدى قدرة السينما على لعبِ دورٍ تنويريٍّ في تشكيلٍ الوعي المجتمعي.

من هو يوسف شاهين:

وُلد يوسف جبريل شاهين في 25 يناير/كانون الثاني 1926 في مدينة الإسكندريَّة بمصر لأسرةٍ تنتمي إلى الطبقة المتوسِّطة، وهو الانتماءُ الاجتماعيُّ الذي انعكس لاحقًا على أعماله السينمائيَّة، حيث أولى اهتمامًا بالغًا بقضايا الفئات المهمَّشة والطبقات الكادحة. تلقَّى تعليمه الابتدائيَّ في مدرسة سان مارك قبل أن ينتقل إلى الكليَّة الإنكليزيَّة، وهناك نال الشهادة الثانوية. وسعيًا لتعميق معرفته بالفن السابع، توجَّه إلى الولايات المتحدة، حيث أمضى عامين في دار باسادينا المسرحيَّة لدراسة صناعة الأفلام والفنون الدراميَّة، وهي التجربة التي أثَّرت في رؤيته الإخراجيَّة ومنحته أدواتٍ تعبيريَّةً أكثر تطوُّرًا في التعامل مع الصورة السينمائيَّة والدراما البصريَّة.

امتاز شاهين بتوجُّهٍ فكريٍّ نقدي، حيث عُرِفَ بمواقفه السياسيَّة الجريئة التي عبَّر عنها في أفلامه، والتي واجه من خلالها التيَّارات المحافِظة التي اعتبرها حجرَ عثرةٍ أمامَ حريَّة التعبير والإبداع. كما كان من أشدِّ المعارضين للرقابة الفنيَّة، سواء تلك المفروضَة من قِبَل الدولة أو المجتمع، إذ رأى فيها تقييدًا للفكر وتضييقًا على حريَّة الفنان في تناولِ القضايا الجوهريَّة. وإيمانًا منه بحقوقِ الفئات المهمَّشة، انحاز شاهين إلى قضايا الطبقات الفقيرة والمُعدمة، مجسِّدًا معاناتها في العديد من أعماله، التي أصبحت مرآةً لواقعٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ متشابك.

يُعد يوسف شاهين من أكثر المخرجين العرب جرأةً وتجديدًا، حيث تجاوَزت أعماله السينمائيَّة الأربعين فيلمًا، استطاع من خلالها ترسيخ اسمه كأحد روَّاد السينما العربيَّة. ومن أبرز أعماله فيلم «الأرض» (1969)، الذي حاز المركز الثاني في قائمة أفضل مائة فيلم مصري في القرن العشرين، وفيلم «باب الحديد» (1958) ، الذي احتل المرتبة الرابعة في القائمة ذاتها. كما منحته رؤيته السينمائيَّة الفريدة حضورًا قويًا في المهرجانات السينمائيَّة العالمية، إذ كُرِّمَ بجائزة اليوبيل الذهبي لمهرجان كان السينمائي عام 1997، عن مجمل أعماله السينمائيَّة، ومُنِحَ وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة فارس في نوفمبر 2006.

لم تكن السينما بالنسبة ليوسف شاهين مجرَّد وسيلةٍ للترفيه، بل كانت أداةً للتعبير عن قضايا كبرى تتعلَّق بالحريَّة والاستقلال الوطني، وبالعدالة الاجتماعيَّة والديمقراطيَّة والحقوق الفرديَّة. وقد رأى في الفنِّ وسيلةً فاعلةً لإحداث التغيير الإيجابي في المجتمع، حيث حملت أفلامه رسائلَ سياسيَّة واجتماعيَّة عميقة، موجِّهةً نقدًا لاذعًا للأنظمة السياسيَّة وللواقع الاجتماعيِّ المأزوم. وبسبب هذا التوجُّه تعرَّض شاهين للعديد من الانتقادات والضغوط من قِبَل السلطات الحاكمة في مصر، لكنَّه ظلَّ وفيًا لرؤيته، مستخدمًا السينما كأداةٍ لمساءلة السلطة وطرح البدائلِ الممكنة لمستقبلٍ أكثر انفتاحًا وديمقراطيَّة. وظل تأثيره حاضرًا في المشهد الثقافي العربي حتى بعد وفاته، والتي جاءت إثرَ إصابته بنزيفٍ في المخ يوم 15 يونيو/حزيران 2008، حيثُ دخلَ في غيبوبةٍ استدعت نقله إلى فرنسا لتلقي العلاج، لكنه عاد إلى القاهرة حيث وافته المنية يوم 27 يوليو/تموز من العام ذاته، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا خالدًا أثَّر بعمقٍ في السينما العربيَّة والعالميَّة.

المثقف العضوي في فلسفة يوسف شاهين: رؤية نقدية لعلاقة المثقَّف بالسلطة

تُعَدُّ العلاقة بين المثقَّف والسلطة من أبرز القضايا التي طرحها يوسف شاهين في أفلامه، حيث شكلت محورًا أساسيًا في فيلمه «المصير». من خلال هذا العمل، تناول شاهين إشكاليَّة المثقَّف العضوي وعلاقته الجدليَّة بالسلطة، مسلطًا الضوءَ على تأثير السلطةِ على الفكر والثقافة والتحليل النقدي. وقد عالج الفيلم هذه الإشكاليَّة من خلال شخصيَّة الفيلسوف والقاضي ابن رشد، الذي كان رمزًا للمثقَّف المستَنير الذي يسعى للدفاع عن قيمِ العقل والحريَّة، ولكنه يصطدِم بسلطةٍ سياسيَّةٍ ودينيَّةٍ تقيِّدُ الفكر وتفرضُ وصايتها على المجتمع.

يقدِّمُ شاهين في «المصير» رؤيةً معمَّقةً لدور المثقف، حيث يرى أنَّه ليس مجرَّد فردٍ يحمل أفكارًا نظريَّة، بل هو صوتُ الأمة، الذي يعبِّرُ عن طموحاتها وهمومها، ما يجعله في صراعٍ دائمٍ مع السلطات التي تحاول تطويعه لخدمةِ مصالحها السياسيَّة والاجتماعيَّة. وهنا يبرز التوتُّر بين المثقف العضوي، الساعي إلى إحداث التغيير الاجتماعي عبر الكلمة والفنِّ والإبداع، وبين السلطةِ الساعية إلى احتوائه أو قمعه إذا ما أصبح خطرًا على استقرارها. من هذا المنطلق، يظهَرُ شاهين المثقَّف كشخصيَّةٍ ثوريَّةٍ مستقلَّة، ترفضُ الخضوع وتؤمن أنَّ الحريَّة الفكريَّة هي الركيزة الأساسيَّة لنهضة المجتمعات، وأنَّ أيَّ محاولةٍ لتقييد الإبداع تعني تقييد الابتكار والتجديد.

تتجلى فلسفة شاهين في نقطتين رئيسيتين:

التأكيد على الحريَّة الفكريَّة باعتبارها حقًا أساسيًّا للمثقَّف والمجتمع، إذ يرى أنَّ أي تدخُّلٍ سلطويٍّ في الفكر يؤدي إلى انحسار الإبداع وتحجيم التقدُّم الثقافي.

دور المثقَّف في المجتمع، حيث يصوِّرُ شاهين المثقَّفَ كشخصيَّةٍ عضويَّةٍ ملتزمةٍ تجاه قضايا مجتمعها، وهو المفهوم الذي يتقاطعُ مع نظريَّة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حول المثقَّف العضوي، الذي لا يقتصرُ دوره على التنظير، بل يسهم بفعاليَّةٍ في تشكيل الوعي الجمعي وقيادة الجماهير نحو التغيير. وفقًا لغرامشي، المثقَّف العضوي هو ذلك الذي ينتمي إلى طبقته الاجتماعيَّة، ويعملُ على تعزيز الهيمنة الثقافيَّة لمصلحة الفئات المهمَّشة، حيث يوجِّه فكرَه نحو تحقيق العدالة الاجتماعيَّة وإعادة التوازنِ إلى المشهد الثقافي والسياسي.

يرى شاهين أنَّ المثقَّف الحقيقي هو الذي يتجاوزُ الدور التقليديَّ للنقد النظري، ليصبحَ فاعلًا في المشهد الاجتماعيِّ والسياسي، مدفوعًا بالتزامٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ تجاه قضايا مجتمعه. فالمثقَّف عند شاهين ليس انعزاليًا، بل هو طليعةٌ تقودُ التغيير، مدركًا لمسؤوليَّته في إصلاح الخلل القائم، ومؤمنًا بدوره في تعزيز قيم الحريَّة والعدالة والاستقلال الفكري. من خلال هذه الرؤية، يقدِّم شاهين المثقَّف كحاملٍ لمشروعٍ إنسانيٍّ يهدفُ إلى خلق مجتمعٍ أكثر وعيًا، حيث تكونُ الثقافة أداةً للتحرُّر وليست وسيلةً للخضوع والتطويع.

«المصير» والرؤية السياسية في فكر يوسف شاهين: الفنُّ كأداةٍ للتحرُّر والوعي

لطالما ارتبطت رؤية يوسف شاهين للسياسة بقضايا المجتمع والإنسان، حيث اعتبر أنَّ الفنَّ والثقافة والأدب أدواتٌ فاعلةٌ في إحداث التغيير الاجتماعيِّ وتحقيق التقدُّم. وانطلاقًا من إيمانه العميق بدور السينما في نشر الوعي، وظَّف شاهين أعماله لتسليط الضوء على قضايا العدالة الاجتماعيَّة، والحقوق الإنسانيَّة والاستقلال الفكري، مؤكدًا أنَّ للفنَّان والمثقَّف مسؤوليَّةً كبرى في نقل الرسالة الإنسانيَّة وترسيخ قيم الحريَّة والديمقراطية. لم تكن أفلامُه مجرَّد أعمالٍ فنيَّة، بل حملت في طيَّاتها مواقفَ نقديَّة عميقةً تجاه الظلم والفساد، ما جعلها تحظى باهتمامٍ واسعٍ في العالم العربي وخارجه.

في هذا السياق، يُعَدُّ «المصير» نموذجًا بارزًا لهذه الرؤية، إذ يشكِّلُ معالجةً دراميَّةً غنيَّةً بالمضامين الفكريَّة والإيديولوجيَّة التي ظلَّ شاهين يناقشها عبرَ أعماله السينمائيَّة. يطرحُ الفيلم إشكاليَّة الصراع بين الدين والسلطة، متجسِّدًا في شخصيَّة ابن رشد التي جسَّدها الفنانُ الراحل نور الشريف. يعكس التحوُّل الدرامي لهذه الشخصيَّة عمقَ الجدلِ القائم بين الفكر المستنير والسلطة القمعيَّة، وهو نقاشٌ لا يزال حاضرًا حتى اليوم، رغم أنَّ أحداث الفيلم تعودُ إلى أواخر القرن الخامس عشر.

تنبع جماليَّة «المصير» من قدرته على إلهام الفكر الشبابيِّ بأهميَّة الحريَّة الفكريَّة، والتحرُّر من قيود المرجعيَّات السلطوية، سواء كانت سياسيَّة أو دينيَّة. يُبرِز شاهين في هذا العمل فكرةَ أنَّ النقد والتفكيرَ المستقلَّ لا بدَّ أن يكونا جزءًا من كافَّة مواقفِ الحياة، إذ إنَّ مثل هذه العمليات الفكريَّة قادرةٌ على إحداثِ نهضةٍ معرفيَّةٍ قد تؤسِّسُ لمستقبلٍ أكثر تحرُّرًا وتنويرًا. من خلال هذا الطرح، يتجاوزُ الفيلم كونه مجرَّد عملٍ سينمائي، ليصبحَ خطابًا فلسفيًّا حولَ دور المثقف في مواجهة السلطة، وحتميَّة التمرُّد الفكري من أجل بناء حضارةٍ قائمةٍ على الإبداع والتعدديَّة والحريَّة.

ماهيَّة الفن وسوسيولوجيَّته في سينما يوسف شاهين: رؤيةٌ تأويليَّةٌ استشرافيَّة

لا يتطلب الخوض في ماهيَّة الفن استدعاءَ كاملِ المفاهيمِ التاريخيَّةِ المرتبطة به، أو استعراض دلالاته الاصطلاحيَّة، بقدرِ ما يتطلَّب قراءةً أكثر عقلانيَّةً وتنويريَّةً لمفهومه الحديث، بوصفهِ ظاهرةً تركيبيَّةً نابعةً من تطوُّراتٍ متراكمةٍ عبر العصور. منذُ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان باكتشاف ذاته والعالم المحيط به، سعى إلى التعبير عنه بشتَّى الوسائل، سواء عبر الرسم، أو النقش، أو حتى صناعة الأدوات الحربيَّة، حيث كان الفن نتاجًا لصيغةٍ ثلاثيَّةٍ قوامها: الإنسان، العقل، والمادة. هذه المعادلة هي التي أسهمت في بلورةِ الفنِّ كحالةٍ إبداعيَّةٍ لها امتدادها البيئي والجغرافي، الأمرُ الذي يفسِّرُ الاختلافات الشكليَّة والتاريخيَّة التي رافقت تطوُّره عبر الزمن. فمنذ البدايات الأولى، كان الفنُّ محدودَ الإنتاج نسبيًا، سواء من حيث الكم أو الكثافة، لكنَّه شهِدَ طفرةً نوعيَّةً مع عصر النهضة والإصلاح والتنوير في أوروبا، كما كان له دورٌ بارزٌ في تطور فضاءات الحضارة العربيَّة والإسلاميَّة، ولا سيما في الأندلس، حيث تجلى كحالةٍ حضاريَّةٍ مزدهرةٍ ومتعدِّدةِ الأبعاد.

يأخذ الفن، بتجلِّياته السوسيولوجيَّة، طابعًا متباينًا يتأثَّرُ بالخصوصيَّات الطبقيَّة والتشكيلات الاجتماعيَّة، فهو يُجسِّدُ تجربةً روحيَّةً متكاملةً يعيشها الإنسان، سواء بشكلٍ مباشرٍ ومقصودٍ كما في المسرح، أو في سياقات الحياة اليوميَّة كما في الموسيقى والهندسة المعماريَّة. وقد برزت هذه العلاقة بينَ الفنِّ والمجتمع في أعمالِ روَّاد مدرسة شيكاغو في الولايات المتحدة، الذين أسَّسوا مفاهيم الطابع العمراني والحضري القائم على أسسٍ جماليَّةٍ دقيقة. ولم يكن مرورُ الفن بأوروبا مجرَّدَ تحوُّلٍ زمني، بل كان نقلةً نوعيَّةً أعادت تشكيل المفهوم ذاته، حيث بات أكثر حريَّةً وتعبيرًا عن تحوُّلات المجتمع. وقد لعب الفنَّانون والمفكِّرون دورًا بارزًا في رسمِ لوحةٍ ثقافيَّةٍ كبرى، امتزجت فيها الفلسفات والأفكار المتباينة، ممَّا جعل المجتمع الأوروبي أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرةً على الحركة والتطوُّر. في هذا السياق، تبرزُ علاقة طرديَّة واضحة: كلما زادت الإسهامات الفنيَّة كثافةً ونوعيةً، انعكس ذلك إيجابًا على استمراريَّة المجتمع وتنوُّعه، والعكس صحيح.

أما في السياقات المحليَّة، فقد عرفت مراحلُ الفنِّ تحوُّلاتٍ متباينة، حيث شهِدت بعض الفترات ازدهارًا، بينما تعرَّض الفن لاحقًا لمحاولاتِ تشويهٍ متعمَّدةٍ من قبل أجهزة السلطة، التي سعت إلى تطويعه ليبقى ضمن حدود المسموح والمقبول سياسيًّا واجتماعيًّا. من هنا بدأت موجاتُ التضييق على الفنانين عبر توظيف الدين والعرف الاجتماعيِّ كأدواتٍ رقابيَّة، أو من خلال تبرير القمعِ بمزاعمِ مناهضة "الفن الغربي" أو الحفاظ على "التقاليد الأصيلة". وقد ساهم ما يمكن تسميتهم بـ"فناني البلاط" في تكريس هذه المنظومة، حيث تحوَّل بعضُهم إلى أدواتٍ بيد السلطة، ممَّا شوَّه مفهومَ الفنِّ الحرِّ وأفقده دورَه الحقيقيَّ في نقدِ الواقع وتجاوزه.

إنَّ جوهر الفنِّ يكمنُ في قدرته على التكيُّفِ مع المجتمع، سواء عبر تجسيد واقعه أو استشراف مستقبله. في كتاباته حول ماهيَّة الفن، يرى ليف تولستوي أنَّ الفنَّ هو انعكاسٌ للروح الجماليَّة للإنسان، وهو وسيلةٌ لإشباع الحياة الداخليَّة والتخفيف من ضغوطِ الواقع. بالنسبة له، فإن أيَّ عملٍ فنيٍّ يحملُ بعدًا روحيًّا يجعله أقربَ إلى صورة الجمال الربَّاني، وهذه الرؤية تتجسَّد بوضوحٍ في مؤلفه الشهير «ما هو الفن؟». من هنا فإنَّ تولستوي لا يتعامل مع الفنِّ كمجرَّد أداةٍ ترفيهيَّة، بل يضعه في سياقٍ فلسفيٍّ أعمق يمنحه أبعادًا رمزيَّةً وتاريخيَّةً تتجاوزُ اللحظة الزمنيَّة التي أُنتِج فيها.

أما سوسيولوجيا الفن فهي معنيَّةٌ بتحليل النتاجات الإبداعيَّة، وكيفية تأثيرها على المجتمعات، ودورها في تشكيل البنية الثقافيَّة والسياسيَّة. تهتمُّ هذه المقاربة بدراسةِ علاقة الفنَّانين بالجماهير، ودور المؤسَّسات الثقافيَّة وتطوُّر السوق الفنِّي. كما تسعى إلى فهمِ كيفيَّة تفاعلِ المجتمع مع الفن، وكيفيَّة تأثير السياقات الاجتماعيَّة والتاريخيَّة على تحوُّلات الإبداع الفني. في هذا الإطار، تأتي سوسيولوجيا التميُّز في سينما يوسف شاهين، ليس فقط كإثباتٍ لتفرُّد أعماله، بل باعتبارها تجربةً تتجاوز عصرها وزمنها، وتصلُ إلى مستوى التأريخ والاستشراف. لا تقتصر سينما شاهين على تسجيل اللحظة الراهنة، بل تمتلك بُعدًا تأويليًا يكشفُ عن المستورات المستقبليَّة، مما لا يجعلُ منها مجرَّد انعكاسٍ للواقع، بل أداةً فعَّالةً في قراءته وإعادة تشكيله.

المتخيَّل والخيال عند يوسف شاهين: بين الاستشراف والطاقة الفنيَّة

في سياق الممارسات الاجتماعيَّة اللامتجانسة التي شهدَها المُجتمع المصري الحديث، تبرزُ أعمال يوسف شاهين باعتبارها انعكاسًا للقلقِ الفكريِّ العميق الذي حمله جيلٌ يسعى إلى تجاوز الأطر التقليديَّة والبحث عن بدائلَ منهجيَّةٍ وفكريَّةٍ جديدة. لقد أدرك شاهين بوعيٍ شديدٍ أنَّ تحوُّلات المجتمع تفرض تحديَّاتٍ على حريَّة التعبير الفني، مما دفعه إلى تطوير إستراتيجياتٍ إبداعيَّةٍ تمكنه من التسلُّل بين أذرع الرقابة السياسيَّة، وترسيخ أسسٍ جديدةٍ للحريَّات الفنيَّة. إن الاتجاه الفكريَّ الذي صاغه شاهين لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن نظرته الاستشرافيَّة، حيث تعامَلَ مع السينما كوسيلةٍ لتقديم رؤى مستقبليَّةٍ تتجاوز اللحظة الآنيَّة، وتُسهِمُ في تفكيك البنى الثقافيَّة والاجتماعيَّة السائدة.

يمكن الحديث عن مفهوم "الجيل الرابع" الذي أسَّس له يوسف شاهين، والذي يمثِّل الامتدادَ الحاليَّ للتحوُّلات الاجتماعيَّة، متجاوزًا الجيل الثالث الذي ظل محورًا للدراسات السوسيولوجيَّة. يتميَّز هذا الجيل بملامحَ متمايزةٍ تجعله أكثر انخراطًا في الحداثة التكنولوجيَّة، حيث أصبحت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزَّأ من نمطِ حياته اليومي وتفاعلاته الاجتماعيَّة. كما يتَّسم بانفتاحٍ ثقافيٍّ غير مسبوق، يجعله أكثر مرونةً في تقبُّل التعدديَّة الفكريَّة والثقافيَّة، ويمنحه قدرةً على تجاوزِ الحدود التقليديَّة التي فرضتها البُنى الاجتماعيَّة السابقة. ويضاف إلى ذلك ارتفاع مستوى التعليم والتدريب المهني، مما أثَّر في مساراتهم المهنيَّة والاجتماعيَّة ودفعهم إلى تفضيلِ العمل في بيئاتٍ ديناميكيَّةٍ تتطلَّب الابتكار والتفاعل الجماعي. هذه التحولات أثَّرت بشكلٍ واضحٍ في السلوكيَّات الاجتماعيَّة، حيث أصبحت العلاقات أكثر تنوعًا واتساعًا، ما أسهم في إعادة تشكيلِ أنماط التواصل والتفاعل داخل المجتمع.

إزاء هذه المتغيِّرات، يبرز تحدٍّ جوهريٍّ يتمثَّل في ضرورة إعادة توجيه العقل العربي نحو مساراتٍ أكثر تنظيمًا وإبداعًا، بعيدًا عن العشوائيَّة الممنهجة التي تعيق تطوُّره. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تضافرِ جهود المؤسَّسات الرسميَّة، والمجتمع المدني والمبادرات الفرديَّة، لإرساء قيمِ الاختلاف والتجديد، باعتبارها ركيزةً أساسيَّةً لأيِّ نهضةٍ ثقافيَّةٍ حقيقيَّة. فالوضعيَّة الحاليَّة التي تعيشها المجتمعات العربيَّة تعكس حالةً من الانغلاق المعرفي، أشبهُ بمستنقعٍ يعيدُ إنتاج الجهل بدلًا من تجاوزه، ما يتطلَّب مشروعًا فكريًَا متكاملًا يستندُ إلى مراجعةٍ نقديَّةٍ للموروثات الفكريَّة والتاريخيَّة واستبدالها بمنظومةٍ عقلانيَّة تفتح آفاقًا جديدةً للفكر والإبداع.

إنَّ توجيه النفس البشريَّة نحو الفنِّ يتطلَّب تكييفه مع حاجات الإنسان المعاصر، وتنقيته من التراكمات السلبيَّة التي علِقت به وشوَّهت صورتَه الجماليَّة والأخلاقيَّة. وهنا يأتي دورُ النخبةِ الفكريَّة في المجتمع، والتي يقع على عاتقها مسؤوليَّة إحياء الضمير الفنيِّ وتعزيز الوعي بقيمةِ الفن كأداةٍ للتحرر والارتقاء الفكري. إنَّ ما شهدته المجتمعات العربيَّة من محاولاتٍ لتقييد الفن وتشويهه كان نتيجةً مباشرةً لحالة العداء المتأصِّلة تجاه الجمال والإبداع، وهي حالةٌ لم تكن عفويَّة، بل جاءت في سياقِ منظومةٍ فكريَّةٍ فرضت قيودًا صارمةً على التعبير الفني، متذرِّعةً بمسوِّغاتٍ دينيَّةٍ واجتماعيَّةٍ وسياسيَّة.

وعلى النقيض من ذلك، نجدُ أنَّ الحضارات الغربيَّة استطاعت تحويل الفنِّ إلى وقودٍ اجتماعيٍّ ومحرِّكٍ للروح الإنسانيَّة، حيث أصبح وسيلةً لتحقيق حالةٍ من اليوتوبيا الجماليَّة التي تمنحُ الإنسان إشباعًا فكريًا ونفسيًا وبيولوجيًا. إنَّ التفاوت في القدرة على تذوُّق الفنِّ بين المجتمعات لا يعود فقط إلى العوامل الاقتصاديَّة أو التقنيَّة، بل يرتبطُ بشكلٍ أساسيٍّ بالذهنيَّات الحاكمة، التي تحدِّدُ طريقةَ تعاملِ الأفراد مع الإبداع، وتقيسه بمعايير ضيِّقةٍ غالبًا ما تؤدِّي إلى تهميشه أو تحجيمه.

إنَّ العنف الممنهج الذي يمارَسُ ضدَّ الفنِّ في بعض المجتمعات ليس مجرَّد موقفٍ ثقافيٍّ أو أيديولوجي، بل هو انعكاسٌ لمنظومةٍ فكريَّةٍ تستندُ إلى تصوُّراتٍ دينيَّةٍ متشدِّدة، تصوُّراتٌ حاول بعض الفاعلين ترويجَها كحقيقةٍ مُطلقة. ومع ذلك لا يمكن تحميل الدين بحدِّ ذاته مسؤوليَّة هذا القمع، بل ينبغي توجيه النقدِ إلى صُنَّاع الفكر الديني الذين استغلوا سلطتَهم المعرفيَّة لتمرير تأويلاتٍ متشدِّدةٍ جعلت من الفن عدوًا بدل أن يكون وسيلةً لاستعادة العقل والنشاط الروحي. هذا التشويهُ المتعمَّد للفنِّ لا يمثِّلُ فقط اعتداءً على حريَّة الإبداع، بل يسهِمُ في إفراغ المجتمعات من قدرتها على التأمُّل والتجديد، مما يؤدِّي إلى حالةٍ من الجمود الثقافيِّ والفكري.

نحن إذن أمام ضرورةٍ ملحَّةٍ لتبنِّي خطابٍ تحرُّريٍّ يدعو إلى تحرير العقل من عديدِ الأوهام التي تعيقه عن التفكير النقديِّ والإبداعي، فالعقلُ الذي يُحكَم عليه بالبقاء في زاوية الجمود لن يكون له مكانٌ في مستقبل الإنسانيَّة. إنَّ إصلاح الواقع الثقافي يتطلَّبُ إرادةً جماعيَّةً تتجاوزُ الأفكار المسبقة والمعطيات الجاهزة، وتسعى إلى إعادة الاعتبار للفنِّ بوصفه الأداة الأهم لصياغةِ وعيٍ إنسانيٍّ متجدِّد. فالفنُّ ليس مجرَّد ترفٍ أو وسيلةٍ للترفيه، بل هو ضرورةٌ وجوديَّة، إذ يمثل الجسرَ الذي يربط الإنسان بعوالم الإبداع والتأمُّل، متجاوزًا الانقسامات العقائديَّة والاجتماعيَّة. ومن هنا، فإنَّ الرهانَ الحقيقيَّ لا يكمُنُ فقط في تعزيزِ الإنتاجِ الفني، بل في ترسيخِ قناعةٍ جوهريَّةٍ بأنَّ الفنَّ هو المساحة التي يمكن من خلالها تحقيقُ الفهم الأعمق للذات والآخر، وهو الأفقُ الوحيد الذي يمكنه أن يجمعَ البشريَّة رغم اختلافاتها، فهو المنبع الذي لا ينضب، والركيزة التي لا غنى عنها لاستكمال المسيرة الإنسانيَّة.

يوسف شاهين: إرث سينمائي بين الجرأة والتجديد الفني

يُعدُّ يوسف شاهين أحد أبرز المخرجين في تاريخ السينما العربيَّة، إذ ترك بصمةً فنيَّةً استثنائيَّةً جعلته من أكثر الشخصيَّات تأثيرًا في هذا المجال. وتميَّزت أعمالُه بمجموعةٍ من العوامل التي كرَّسته كصانعِ سينما فريد، لعلَّ أبرزها تناوله لموضوعاتٍ اجتماعيَّةٍ حسَّاسةٍ تعكس قضايا العالم العربي الجوهريَّة، على غرار الطبقيَّة والعنصريَّة، والتحرُّر النسائي والتديُّن، والفقر والفساد. وقد جسَّد شاهين في أفلامه هذه القضايا بجرأةٍ تُعبِّر عن رؤيته العميقة للتحوُّلات المجتمعيَّة التي شهدتها المنطقة.

إلى جانب اهتمامه بالمضامين، اشتهر شاهين بعنايةٍ فائقةٍ بالتفاصيلِ البصريَّة والدراميَّة، حيثُ تميَّزت أفلامه بواقعيَّةٍ ملموسةٍ تجعلُ المشاهِدَ ينخرطُ في عالمها بسهولة، وهو ما يعكس قدرته على تقديم أعمالٍ تحملُ أبعادًا إنسانيَّةً أصيلة. كما كان شاهين من بين أوائل المخرجين العرب الذين أولوا أهميَّةً خاصَّةً للتقنيَّات السينمائيَّة، حيثُ استخدمَها بمهارةٍ لتعزيز جودة أفلامه، ممَّا جعلها أعمالًا فنيَّةً خالدةً تجاوزت حدود الزمن.

لم يكن نجاحُ شاهين مقتصرًا على رؤيته الإخراجيَّة فحسب، بل امتدَّ إلى قدرته الفائقة على استثمار مواهبَ نخبةٍ من أهمِّ الممثلين في العالم العربي، حيث عُرف بقدرته على استخراج أفضل أداءٍ من ممثِّليه، مما أسهم في إضفاء عمقٍ دراميٍّ لافتٍ على أعماله. أمَّا الركيزة الأهم في مشروعه السينمائي فتمثَّلت في جرأته الاستثنائيَّة، إذ عُرِفَ بمواقفه التقدميَّة التي تحدَّت القيودَ الاجتماعيَّة والسياسيَّة، فعكسَ في أفلامه قضايا شائكةً بأسلوبٍ مباشِرٍ وصادم، ما جعله في صدارة المخرجين الذين أحدثوا تغييرًا في المشهد السينمائيِّ العربي.

اختتم شاهين مسيرته بفيلم «هي فوضى؟» (2007)، الذي كان بمثابة مرآة تعكسُ الواقع المصريَّ المتأزم، حيثُ قدَّم عبر شخصية حاتم (والذي أدَّى الراحل خالد صالح دوره)، أمين الشرطة الفاسد، نموذجًا للسلطة القمعيَّة التي مارست أشكالًا مختلفةً من الاستبداد، بدءًا من القمعِ والتعذيب وصولًا إلى فرض الإتاوات. وفي مقابل ذلك، جسَّد الفيلم صوت الشعب عبر الحراك الشعبي الذي انتفضَ ضدَّ الظلم، وهو ما اعتُبر لاحقًا نبوءةً سينمائيَّةً بثورة 25 يناير التي اندلعت في يوم مولده، بعد ثلاث سنواتٍ من رحيله.

من هذا المنطلق، يمكن اعتبار أعمال يوسف شاهين توثيقًا سينمائيًّا لمسيرة التحوُّلات المجتمعيَّة في العالم العربي، حيث حملت أفلامُه بصماتِ تاريخنا ورحلتنا الجماعيَّة في البحث عن الهويَّة. لقد نجح شاهين في تقديم شكلٍ سينمائيٍّ لا يُختصرُ بكونه مجرَّد انعكاسٍ للواقع، بل إنَّه وسيلةٌ لفهمه وتحليله، وهو ما يجعل أعماله ذات بعدٍ يتجاوزُ الفنيَّ إلى الفلسفيِّ والتاريخي، حيث روى لنا قصَّة وطن، وساعدنا على إدراك هويَّتنا ومسارنا المستقبلي من خلال عدسته السينمائيَّة النافذة.

*****

قائمة المراجع:

- غرامشي، أ. (2018). قضايا المادية التاريخية (ف. طرابلسي، مترجم). بيروت: منشورات المتوسط.

- إينيك، ن. (2011). سوسيولوجيا الفن (ح. ج. القبيسي، مترجم). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

- خوري، م. (بدون سنة). المشروع القومي العربي في سينما يوسف شاهين (ح. بيومي، مترجم). القاهرة.

- الجزيرة. (2014، 6 نوفمبر). يوسف شاهين. تم الاطلاع عليه في يناير 2024، من https://www.aljazeera.net/encyclopedia.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى