عاد صانع الأفلام والمخرج الألماني المميَّز جان أوْلي جيرستر بفيلمٍ جديدٍ في مهرجان برلين السينمائي لهذا العام بعنوان «جُزُر» (Islands - 2025)، معلنًا عن عودته المنتظرة بقوَّة، بعد سنواتٍ من الإنقطاع، إلى عالم السينما برؤيةٍ فنيَّةٍ راقيةٍ تتحدَّى النمطيَّة السائدة في عصرٍ تكثرُ فيه الإنتاجات السريعة والسرديات المُبتَذلة. ففي زمنٍ أصبحت فيه الأفلام مجرَّد سطورٍ سطحيَّةٍ تستسلمُ لمدِّ الجاذبيَّة البصريَّة والإثارة العابرة، يَبرُزُ جيرستر كنموذجٍ للفنانِّ الحقيقيِّ الذي يستمدُّ إلهامه من عمقِ التجاربِ الإنسانيَّة وتعقيداتها، وذلك باعتماده على سردٍ هادئ يتأرجحُ بين الصمت العاطفي والدقَّة التأمليَّة.
لم يكن مسارُه السينمائي مليئًا بضجيجِ الشهرة أو بريق الأضواء الزائفة، بل اتَّسم إلى الآن بالالتزام الثابت بالأصالة والصدق في تقديم صورةٍ حقيقيَّةٍ للنفس البشريَّة، حيث تجسدت هذه الروح في عمليه الرائعَين «قهوة في برلين» (A coffee in Berlin - 2012)، الذي جمع ما بين التقشُّف التأمُّلي واللحظات اليوميَّة البسيطة، وأيضًا في فيلمه الآخر «لارا» (Lara - 2019)، الذي حمل في طيَّاته تأمُّلاتٍ كئيبةٍ حول الندم والفرصِ الضائعة. لم تكن أفلام جيرستر مجرَّد سردٍ قصصيٍّ يُعرَض على الشاشة، بل كانت بمثابةِ قصائدَ بصريَّةٍ تنطقُ بلغةِ الصمت والأحاسيس، وباستمرار في كلا فيلمَيه يتحوَّلُ كلُّ إطارٍ إلى لوحةٍ فنيَّةٍ تحملُ معانٍ عميقةٍ وتدعونا إلى التأمُّل في تفاصيل الوجود.
ذات مرَّةٍ قال الناقد الكبير روجر إيبرت إنَّ «أعظم الأفلام ليست تلك التي تفرضُ قِصصَها عليك، بل تلك التي تتركُ مساحاتٍ للصمت والتفكير»، وهو وصفٌ دقيقٌ يمكن إسقاطه على سينما جيرستر، التي تبدو كأنَّها تتنفَّس بهدوء، تمنحُ المشاهدَ فرصةَ الغوص في العوالم الداخليَّة للشخصيَّات دون أن تَفرِض عليه أيَّ استنتاجاتٍ جاهزة. في «قهوة في برلين»، قدَّم صورةً شاعريَّةً لحياة شابٍ عالق بين الضياع والبحث عن هدف، بينما في «لارا»، تعمَّق في العزلة الداخليَّة لشخصيَّةٍ على حافَّة الانهيار النفسي، راسمًا صورةً سينمائيَّةً دقيقةً عن هشاشةِ النفس البشرية.
من خلال انصهار الفروق الدقيقة للسينما الأوروبيَّة الفنيَّة بالبساطة الوثائقيَّة في سردِ القصص، يبني جيرستر عالمه الخاص الذي يتجاوز حدود التقليديَّة ليقدِّم تجربةً إنسانيَّةً متكاملةً تتحدَّى المشاهِد أن يستمِع إلى همسات الواقع المخبأة خلف الظهور البصريِّ الباهر. فهو ليس مجرَّد مخرجٍ يروي الحكايات، بل فنانٌ يستخدمُ السينما كوسيلةٍ للتأمُّل العميق، محوِّلًا اللحظات العابرة إلى مشاهدَ تعجُّ بالحياة والصدق. وفي ساحةٍ سينمائيَّةٍ يهيمنُ عليها الإبهار والمبالغة، تتواجد أعماله لتُثبت أنَّ الفنَّ الحقيقيَّ لا يحتاجُ إلى الصراخ أو الزخم المفرط، بل يكفيه الهدوءُ الثاقب الذي يحفِّزُ العقولَ والقلوبَ على استعادة الإحساس بجماليَّة التفاصيلِ الصغيرة.
كما تجدرُ الإشارة إلى أنَّ أفلامه لا تقتصرُ على كونها مجرَّد مَشاهِد تُعرَض على الشاشة، بل تشكِّلُ نوافذَ مفتوحةً تتيحُ للمشاهد إعادة النظر في الحياة نفسها، حيثُ كلُّ لحظةٍ صامتةٍ تحملُ بين طياتها مجلَّدات من المعاني، وكلُّ نظرةٍ عابرةٍ تُعيد صياغة مفهومِ الوجود بأسلوبٍ فريدٍ لا يضاهى.
عن الضياع في إيقاع الحياة
في بعض الأحيان، هناك أفلامٌ تمتلكُ القدرة على تجسيد إحساسٍ معيَّن، أفلامٌ لا تعتمدُ على الحبكة والأحداثِ بقدر ما تعتمدُ على الشعور الذي تُلقيه في داخلك. وفيلم «قهوة في برلين»، الذي صَنَع اسم جان أولي جيرستر في عالم السينما، هو واحدٌ من تلك الأفلام القليلة التي يمكنُ وصفها بأنَّها تجربةٌ شعوريَّةٌ أكثر من كونها مجرَّد قصَّةٍ تُروى على الشاشة.
يروي الفيلم يومًا من حياة نيكو، الشابُّ الألمانيُّ الضائعُ بين واقعه ومكانه في هذا العالم، بينما يسعى، ببساطةٍ محبِطة، للحصول على كوبِ قهوةٍ في مدينة برلين الشاسعة. غير أن المدينة، بتناقضاتها وصخبِها، تضع في طريقه سلسلةً من العقبات التي تحوِّل رحلته اليوميَّة إلى تأمُّلٍ وجوديٍّ عميق. ينجحُ جيرستر في التقاط التفاصيل اليوميَّة للحياة بطريقةٍ شاعريَّةٍ رغم قتامَتها، جاعلًا من العادي شيئًا استثنائيًا، ومن الهامشي محورًا للحكاية. أذكرُ أنَّني كتبتُ بعد مشاهدتي الأولى للفيلم قبل سنوات: «إحساسُ الراحةِ المصاحب لهذا الفيلم غريب، وذلك رغم أنَّني أشاهدُ معاناة هذا المسكين في يومٍ أشبه بالكابوس، ربَّما لأنَّ الروتين الواقعي الذي أعيشه صار أسوأَ من الفيلمِ بكثير!».
ما يميِّزُ «قهوةٌ في برلين» هو بساطته المتناهية التي تحملُ في طيَّاتها تعقيدًا داخليًّا مذهلًا. يعتمد الفيلم على اللونين الأبيض والأسود، مما يضفي عليه هالةً كلاسيكيَّةً تجعله أشبه بفيلمٍ من عصرٍ مضى، لكنَّه في الوقت ذاته يتردَّد صداه بقوَّةٍ في الحاضر. هذه البساطة في الأسلوبِ البصريِّ لا تأتي عبثًا، بل تحاولُ أن تعكِسَ بشكلٍ مباشر الفراغ العاطفيَّ والوجوديَّ الذي يشعرُ به البطل، حيث تبدو برلين كمدينةٍ تطفو على سطح اللايقين، شوارعها مزدحمةٌ لكنَّها موحشة، مليئةٌ بالناس ولكنَّها تفتقرُ إلى التواصلِ الحقيقي.
بحرفيَّةٍ عاليةٍ يجسِّدُ نيكو، الذي يؤدي دوره توم شيلينغ، شخصيَّة الشابِّ العالق بين الطفولة والنضج، وبين اللامبالاة والرغبة في الفهم. نيكو ليس بطلًا تقليديًا، بل هو شخصٌ عاديٌّ تمامًا، بلا إنجازاتٍ ولا طموحاتٍ واضحة، يعيشُ كلَّ لحظةٍ كما تأتي، يحاولُ استيعاب العالم من حوله دون أن يمتلك إجاباتٍ جاهزة. وهذا تحديدًا ما يجعل الفيلم مؤلمًا بقدر ما هو مريح، لأنه يعكس مأزقًا يعيشه الكثيرون دون القدرة على التعبير عنه.
يُعد «قهوة في برلين» شهادةً على قوَّة السينما الهادئة، تلك التي لا تحتاج إلى ضجيجٍ أو إثارةٍ مصطنعةٍ لتترك أثرًا عميقًا في النفس. إنَّه فيلمٌ يتحدَّثُ فقط بلغةِ الصمتِ والتفاصيل الصغيرة، حيثُ كلُّ مشهدٍ هو مرآةٌ للحياة اليوميَّة التي تمرُّ بنا دون أن نلحظها. كما أنَّه ليس مجرَّد قصَّةٍ عن شابٍّ يبحثُ عن قهوته الصباحيَّة، بل انعكاسٌ لحالةٍ عامَّةٍ من الضياع، والسؤال الأزلي: إلى أينَ نحن ذاهبون؟
سيمفونية الندم والهروب من الذات
من بين الأفلام القليلة التي استطاعت رسمَ صورةٍ معقَّدة للنفس البشرية، يبرزُ فيلم «لارا» كواحدٍ من أكثرِ الأعمال تأمُّلًا في العلاقة المتشابكة بين الطموح الشخصي، القيود العائليَّة، وإرث الندم الذي يلاحِقُ الإنسان حتَّى آخر أيَّامه. في عالمٍ سينمائيٍّ يميلُ إلى المبالغةِ في تصويرِ المشاعر، خصوصًا في هذا النوع من القصص، يختار جيرستر نهجًا أكثر هدوءًا وأقربَ إلى التأمُّل، ويبني قصَّته على أساس الصمت واللحظات غير المنطوقة كأساسٍ للبناء السردي، تاركًا للمشاهد فرصة الغوص في تفاصيل حياة شخصيَّته الرئيسيَّة، لارا جينكنس، دون أن يفرضَ عليه أحكامًا مباشرة.
تدور أحداث الفيلم حول لارا (كورينا حرفوش)، امرأة في الستين من عمرها، تعيش حالةً من العزلة الداخليَّة التي تغذِّيها اختياراتها السابقة وأخطاؤها التي ما تزال تطاردها. في يوم عيد ميلادها، يتزامن الحدث مع أوَّلِ حفلٍ موسيقيٍّ كبيرٍ لابنها فيكتور (توم شيلينغ)، الذي يبدو أنَّه يسيرُ على خطاها كعازفِ بيانو. ولكن بدلًا من أن يكون يومًا للاحتفال، يتحوَّل إلى رحلةٍ في أعماق الماضي، حيث تحاول لارا بطرقها الخاصَّة استعادة شيءٍ من السيطرة على حياتها، حتى لو كان ذلك بطريقةٍ قد تدفع الآخرين بعيدًا عنها. التحكم، الكمال، والخوف من الفشل… تلك هي المحاور التي تدور حولها شخصيَّة لارا، وهي ذاتها التي تدفعُها إلى صراعٍ دائم، ليس فقط مع العالم، بل مع أقرب الناس إليها. بطريقةٍ تشبه سيمفونيَّةً هادئةً تتصاعدُ ببطءٍ نحو ذروتها العاطفيَّة، يرسمُ جيرستر صورةَ امرأةٍ لم تستطع يومًا التصالح مع ذاتها، وربَّما لهذا السبب يجدُ بعض المشاهدين في الفيلم صدى لتجاربهم الشخصيَّة. ورغم سوداويَّته الظاهرة، فإنَّ الفيلم يملكُ قوَّة تأثيرٍ نادرةٍ في سرد القصص العائليَّة، حتى أنَّني أصفه بأنَّه أفضلُ فيلمٍ عائليٍّ شاهدته في العقد الماضي—ليس لأنَّه دافئٌ أو مريح، بل لأنَّه يكشف، دون تكلُّف، هشاشة العلاقات العائلية، وما تحمله من حبٍّ معقَّدٍ يتقاطع مع الألم والتوقُّعات غير المحقَّقة.
وكما نرى، يتمكَّن جيرستر، بأسلوبه البصريِّ الصارم، من تجسيد القلقِ الوجوديِّ لشخصيَّاته بمهارة، دون الوقوع في فخِّ المبالغة الدراميَّة. فمن خلال اللقطات الطويلة والكاميرا الثابتة، والاستخدام المدروس للضوء والظل، إضافةً إلى التوتُّر الصامت الذي يتسلَّل بين الشخصيات، يخلقُ تجربةً سينمائيَّةً فريدةً تغمر المشاهد، وكأنَّه لا يشاهد مجرَّد فيلم، بل يراقب انعكاسًا خافتًا لحياته الخاصَّة يتجسَّدُ أمامَه على الشاشة.
في نهاية المطاف، لا يُختزل «لارا» في كونه فيلمًا عن الموسيقى أو عن العلاقة بين أمٍّ وابنها، بل هو تأمُّلٌ عميقٌ في تعقيدات النفس البشريَّة، حيث تتشابك الطموحات مع الندم، ويتلاشى بريقُ النجاح في ظلال العزلة، ويتحوَّل الحبُّ إلى متاهةٍ من الحواجز العاطفيَّة التي نبنيها بأيدينا. إنَّه ليس مجرَّد حكايةٍ تُروى، بل تجربةٌ وجوديَّةٌ تترك أثرها في روح المشاهد، ترافقه طويلًا بعد انتهاء العرض.
تجليات الهوية الألمانية في أفلام جيرستر
تشكِّل موضوعات العزلة، والضياع والندم، محورًا أساسيًّا وجوهريًّا في أفلام جيرستر، لكنَّها لا تأتي كثيماتٍ مجرَّدة، بل كانعكاسٍ لأسئلةٍ وجوديَّةٍ عميقةٍ نجدها متجذِّرةً في السياق الألمانيِّ المعاصر. ففي «قهوة في برلين»، يستكشفُ جيرستر ضياعَ جيل الشباب في مجتمعِ ما بعد الجدار. بحيثُ لا تظهرُ برلين كمدينةٍ حيويَّةٍ نابضةٍ كالتي نراها في الإعلانات السياحيَّة، بل كمساحةٍ من الفراغ الوجودي، مساحةٌ تتصادمُ فيها الهويَّات وتتشظَّى. ومن خلال رحلة نيكو القصيرة، يعيدُ جيرستر طرحَ أسئلةٍ عميقةٍ حول معنى الانتماء في مجتمعٍ لا يزال يشهدُ تحوُّلاتٍ هائلة، وعن الهويَّة الألمانيَّة المعاصرة التي لا تزال باحثةً عن تعريفٍ جديدٍ لنفسها بعد عقودٍ من الانقسام.
أما في «لارا» فيتعمَّق جيرستر في موضوع العلاقة بين الأجيال، مستكشفًا الإرث الثقيل للطموحِ والفشل الذي تنقُله الأمُّ إلى ابنها. يعكسُ الفيلم في جوهره إشكاليَّة النظرة إلى الفنِّ داخل المجتمع الألماني، حيث تتصارعُ القيم الكلاسيكيَّة للتميُّز والإتقان مع مفاهيم حريَّة التعبير والإبداع الشخصي. تتجسَّد هذه الإشكاليَّة في شخصيَّة لارا، التي تمثِّل صراعًا داخليًا بين تقاليد النظام والانضباط الصارم من جهة، والتوقُ الجامح إلى التحرُّر الفنيِّ من جهةٍ أخرى. هذه المواضيع تتجاوز الطرحَ البسيط لتصبح دراسةً متعمِّقةً في الخصوصيَّة الألمانية، متناولةً سؤال "ما معنى أن تكون ألمانيًا في القرن الحادي والعشرين؟"، وهو سؤالٌ يتردَّدُ صداه في مشهدٍ ثقافيٍّ معاصرٍ يشهدُ تحوُّلاتٍ عميقةً في الهويَّة الوطنيَّة والثقافيَّة ليس بداخل ألمانيا فحسب، بل في العديد من المجتمعات حول العالم.
في عصرٍ تسودُ فيه المؤثِّرات البصريَّة المبهرة والتقنيَّات المتطوِّرة، يتَّجه جيرستر عكس التيَّار عائدًا إلى جوهر السينما: الصورة المعبِّرة في أبسط تجلِّياتها. في «قهوة في برلين»، نلاحظُ استخدامه للأبيض والأسود ليس كخيارٍ جماليٍّ فحسب، بل كفلسفةٍ بصريةٍ تجسِّدُ الفراغ الوجودي الذي يعيشه البطل، مضفيةً على المشاهد طابعًا زمنيًا متجردًا، وكأنَّها تقف خارج حدودِ الماضي والحاضر. هذا الاختيار يضع الفيلم في سياقٍ سينمائيٍّ يتقاطعُ مع تجربة فيم فيندرز في «ثلاثية الطريق» (Road Movie Triology)، لكنَّه يتخذ مسارًا أكثر حميميَّة، حيث ينصبُّ التركيز على العالم الداخليِّ للشخصيَّات، لا على الرحلة الخارجيَّة وحدها.
أمَّا في «لارا»، فالنهج البصريُّ مختلفٌ تمامًا، فهنا يستخدمُ جيرستر الألوان الباردة بشكلٍ أساسيٍّ (كالأزرق والرمادي) لخلقِ جوٍّ عاطفيٍّ يعكسُ برود العلاقات بين الشخصيَّات وجمودها. تولِّدُ التكوينات البصريَّة في الفيلم، مع اعتماده على الزوايا المستقيمة والمساحات المحصورة، شعورًا بالاختناق والحصار النفسي الذي تعيشُه البطلة. يتميَّز أسلوبُه بدقَّةٍ استثنائيَّةٍ في استخدام الإضاءة، والتي لا تقتصرُ على دورها التقني، بل تتحوَّلُ إلى عنصرٍ سرديٍّ في حدِّ ذاتها. في العديد من المشاهد، تتلاعب الظلال الطويلة والإضاءةُ الخافتة بتشكيل فراغاتٍ غامضةٍ داخل الكادر، عاكسةً المساحات غير المستكشفة في أعماق الشخصيَّات، وكأنَّ الصورة تكشفُ ما تعجزُ الكلمات عن قوله.
هذا الاستخدام المميَّز للضوء والظلِّ يبتعد عن النهجِ السائد في السينما الألمانيَّة المعاصرة، التي تميلُ إلى الواقعيَّة المفرطة، ليقتربَ في روحه من جماليَّات السينما الألمانيَّة الكلاسيكيَّة، وبالأخص من تقاليد المدرسة التعبيريَّة. فبدلًا من التركيز على محاكاةِ الواقع كما هو، يوظِّفُ جيرستر الإضاءة والتكوينات البصريَّة لإبراز العوالم الداخليَّة لشخصياته، مستحضرًا بذلك إرث التعبيريَّة الألمانيَّة، حيث تتحوَّل الصورة إلى انعكاسٍ نفسيٍّ يعمِّق التوتُّر الدرامي ويكشف عن اضطراباتٍ دفينةٍ خلف الواجهات الصامتة.
عمق بلا ادعاء
لا يمكن فهمُ عمقِ سينما جيرستر دون التعمُّق في السياق الثقافيِّ والتاريخيِّ الألماني الذي تشكَّلت فيه رؤيتُه الفنيَّة. فأفلامُه تنبعُ من تربةٍ ثقافيَّةٍ غنيَّةٍ بالتناقضات، حيث ما تزال ألمانيا ما بعد الوحدة تصارع أشباحَ ماضيها المنقسم. في «قهوة في برلين»، تتحوَّل المدينة إلى كائنٍ حيٍّ يحملُ طبقاتٍ متراكمةً من الذاكرة التاريخيَّة؛ فالمقاهي القديمة، والشوارع المعاد تأهيلها، وكذلك الأبنية الحديثة، كلها تشكِّلُ نسيجًا حضريًّا يجسِّد صراع الألمان المستمر مع هويَّتهم.
بحساسيَّةٍ فريدةٍ يلتقط جيرستر هذا التوتُّر الدقيق بينَ رغبة ألمانيا في التطلُّع إلى المستقبل والسعي للتحرُّر من ثقل الماضي، وبين محاولتها الاحتفاظ بجذورها الثقافيَّة. إنَّ التركيزَ على شخصيَّاتٍ هامشيَّةٍ كنيكو يعكسُ أيضًا تقليدًا ثقافيًّا ألمانيًّا في استكشاف المجتمع من خلال منظور المهمَّشين، وهو نهج تمتدُّ جذوره وصولًا إلى أدب ألفرِد دوبلين. كما يتجلَّى تأثير الفلسفة الوجوديَّة الألمانيَّة، خاصَّةً أفكار هايدغر حول الزمن والوجود والاغتراب، في أسلوبِ جيرستر في معالجة اللحظات اليوميَّة وتحويلها إلى تأمُّلاتٍ عميقةٍ حول معنى الحياة في عالمٍ متسارعٍ يفقدُ إحساسَه بالمعنى.
لفهم العمق الإبداعي لدى جيرستر، لا بدَّ من وضع أعماله ضمنَ سياق تطوُّر السينما الألمانيَّة والأوروبيَّة. يمكن اعتباره امتدادًا معاصرًا لحركة السينما الألمانية الجديدة التي ظهرت في الستينيَّات والسبعينيَّات بقيادة مخرجين مثل فيم فيندرز والقدير راينر فاسبيندر. ومثلما فعل هؤلاء الروَّاد، يسعى جيرستر إلى كسرِ القوالب التقليديَّة وتقديم رؤيةٍ نقديَّةٍ للمجتمع، لكنَّه يفعل ذلك بأسلوبٍ أكثر هدوءًا وتأمُّليَّة. يظهرُ بوضوحٍ تأثُّر جيرستر بأعمالِ فيندرز المبكرة، خاصَّةً في تناوله لموضوع الاغتراب في المدينة الحديثة. يحملُ «قهوة في برلين» أصداءَ واضحةً لفيلم «أجنحة الرغبة» (Wings of Desire - 1987) لفِيندرز، ولكن من منظورِ جيلٍ جديد. كلا الفيلمين يصوِّران برلين كمساحةٍ للضياع والبحث، لكن بينما كانت مدينة فيندرز مقسَّمة بالجدار، فإنَّ مدينة جيرستر تحرَّرت من هذا الانقسام المادي لتواجه انقساماتٍ داخليَّةً أكثر تعقيدًا. من ناحية أخرى، يمكنُ ملاحظة تأثير الأسلوب الصارم والقاسي لفاسبيندر في طريقة معالجة جيرستر للعلاقات بين الشخصيَّات في «لارا»، حيث يتبدَّى التشريح الدقيق للعلاقة المعقَّدة بين الأم وابنها ويذكرنا بأعمال فاسبيندر التي عرَّت الوجهَ المظلمَ للعلاقات العائليَّة.
غير أنَّ تأثُّرات جيرستر تمتدُّ إلى ما هو أبعد من السينما الألمانية، إذ تتقاطع رؤيته السينمائيَّة مع تيَّارات متعدِّدة في السينما الأوروبيَّة المعاصرة. ثمَّة صلةٌ واضحةٌ بين حساسيَّته السينمائيَّة وأعمال المخرج النمساوي القدير مايكل هانيكه، خاصَّةً في الدقَّة البالغة في رصدِ التفاصيلِ النفسيَّة وتشريح العلاقات الإنسانيَّة المعقَّدة. في «لارا» صدىً لأسلوب ميشاييل هانيكه في فيلمه الرائع «معلِّمة البيانو» (The Piano Teacher - 2001)، حيثُ يتحوَّلُ الفنُّ من كونه وسيلةً للتعبير إلى مساحةٍ للصراع النفسي. إضافةً إلى ذلك، يمكن رصد تقاطع أعماله مع أعمال روي أندرسون، المخرج السويدي الكبير، في توظيف اللقطات الثابتة والمشاهد الطويلة لخلقِ إحساسٍ بالغربة الوجوديَّة.
ما يميِّز جيرستر عن أسلافه ومعاصريه هو حساسيته المفرطة تجاه تفاصيل الحياة اليومية وقدرته الفريدة على التقاط نبضِها بدقَّة استثنائيَّة. فهو ينتمي إلى جيلٍ جديدٍ من المخرجين الألمان المستقلِّين الذين يسعون إلى تجاوز القوالب التقليدية التي طالما وصمَت السينما الألمانية بثِقلها، مقدِّمين بدلًا من ذلك رؤيةً أكثر حميميَّةً وشخصيَّة دون التخلِّي عن العمق الفكري والفلسفي الذي ميَّز السينما الألمانيَّة على مرِّ تاريخها. هذه التقاطعات المتعددة لا تنتقص من فرادة جيرستر، بل تضعه في سياق حركةٍ سينمائيَّةٍ أوروبيَّةٍ معاصرةٍ تسعى إلى استعادة البعد الفلسفي في مواجهة هيمنة السينما التجارية، مقدِّمةً رؤيةً نقديَّةً للحياة المعاصرة من خلال عدسةٍ تأمُّليَّة لا تخشى مواجهةَ الأسئلة الصعبة.
هذا السياق يقودُ إلى الإشارة إلى أكثر ما أتقنه جيرستر: قدرة شخصياته على الاحتفاظ بتعقيدها وعمقها دون الحاجة إلى حواراتٍ تفسيريَّةٍ مطوَّلة أو لحظاتٍ دراميَّةٍ مفتعلة. تستمدُّ شخصيَّاته واقعيَّتها من التناقضات الداخلية التي تعيشها، ومن القرارات الصغيرة التي تتخذها في اللحظات العادية من الحياة، حيث لا حاجة للمبالغة كي تعكس حقيقتها. لنأخذ نيكو في «قهوة في برلين» على سبيل المثال: إنَّه ليس مجرَّد شابٍّ تائه، بل هو مزيجٌ معقَّدٌ من الذكاء والسلبيَّة، والحساسيَّة والبرود، والفضول والخوف. رغم سلبيته الظاهرة، فإن نظرته إلى العالم تحمل عمقًا فلسفيًا لا يمكن إنكاره وهذا ما يجعلني شخصيًّا مرتبطًا به دونًا عن جميع شخصيَّات جيرستر. هذا التناقضُ يتجلَّى بوضوحٍ في مشهد لقائِه مع الرجل المسنِّ في الحانة، حيث يتحوَّل نيكو من مستمعٍ سلبيٍّ إلى شاهدٍ على التاريخ، مدركًا فجأة وزن الماضي في تشكيل الحاضر.
أما لارا، فمن الممكن القول إنَّها واحدةٌ من أكثرِ الشخصيَّات النسائيَّة تعقيدًا في السينما الألمانية والعالمية المعاصرة. امرأة في الستينيَّات من عمرها، تحمل فوق كتفيها عقودًا من الندم والإحباط، لكن خلف ملامحها تكمن قوَّةً داخليَّةً مذهِلة. عدا عن أنَّ قسوتَها الظاهرةَ على من حولها ليست سوى انعكاسٍ لقسوتِها على نفسها. وهنا تتجلَّى براعةُ جيرستر: إذ يمنحُنا القدرةَ على التوغُّل في أعماقِ شخصيَّةٍ تبدو للوهلةِ الأولى غير محبوبة، وصولًا إلى إيجاد أنفسنا متعاطفين معها على الرغم من صلابتها. في واحدٍ من أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا، تحديدًا مشهد استماعها إلى عزف ابنها داخل غرفة الفندق، تتلاطم المشاعر في عينيها: مزيجٌ مربكٌ من الفخر والغيرة، والحنين والندم، والحب والألم. هذه اللحظة تختزلُ كلَّ تعقيدات العلاقةِ بين الأجيال، وتكشف عن الأبعادِ العميقةِ لشخصيَّةٍ بدت لنا قاسيةً وباردة.
صوت أصيل في زمن الضجيج
في زمن باتت فيه السينما أسيرة لإيقاع متسارع وسرديات مبسطة، يقف جيرستر كحارسٍ لقيمة التأمُّل والهدوء، متمسكًا بسينما تمنحُ المشاهد فسحةً للتفكير والتفاعل العاطفيِّ العميق. يمثِّل تعامله مع عنصر الزمن أحد أهمِّ ملامح أسلوبه الإخراجي، فعلى عكس التيَّار السائد في السينما المعاصرة التي تتسابقُ نحو الإيقاع السريع واللقطات القصيرة، يتبنى جيرستر إيقاعًا بطيئًا متأملًا، يمنح المُشاهد فرصةً للغوص في تفاصيلِ المشهد والتفكير فيما يراه. هنا من الممكن الجزم بأنَّ أفلامه ليست مجرَّد أعمالٍ بصريَّة، بل هي تجربةٌ حسيَّةٌ وفكريَّة، دعوةٌ مفتوحةٌ لإعادة اكتشاف الحياة بكلِّ ما فيها من تعقيداتٍ وتناقضات، حيث يصبحُ الزمن ذاته أداةً للتأمُّل، لا مجرَّد وعاءٍ للسرد.
ما يميِّز جيرستر حقًا هو قدرته على تحويلِ اللحظاتِ اليوميَّة العابرة إلى بوَّاباتٍ للتأمُّل الوجودي، وتقديم شخصيَّاتٍ قد تبدو عاديَّةً للوهلة الأولى، لكنَّها تحملُ في داخلها عوالمَ كاملةٍ من الصراعات والتناقضات. في «قهوة في برلين»، يتحوَّل اليوم الواحد إلى رحلةٍ زمنيَّةٍ ممتدَّةٍ ومتشعِّبة، فيها تتداخل اللحظات العابرة مع لحظات التأمُّل العميق، ليخلق هذا التمدد الزمني شعورًا بالغرابة والانفصال عن الواقع، تمامًا كما يشعرُ البطل. لا تهدفُ اللقطات الطويلة التي تتابع نيكو وهو يمشي في شوارع برلين إلى إظهار المدينة فقط، بل إلى خلق إحساس بالتيه والسير بلا هدف. أما في «لارا»، فيصبح الزمن أداةً للمقارنة بين الماضي والحاضر، حيثُ تتلاعب البنية السرديَّة للفيلم بالزمن، مقدمةً لمحاتٍ من ماضي البطلة من خلال تفاصيل صغيرةٍ في الحاضر. عندما تستمع لارا إلى موسيقى ابنها، تتداخل لحظات من ماضيها كعازفة بيانو طموحة مع اللحظة الراهنة، خالقة شعورًا بتداخل الأزمنة. هذا التعامل الفريد مع الزمن يخلق تجربةَ مشاهدةٍ مختلفةً تمامًا عن السائد، إذ نجد أنفسنا كمشاهدين منخرطين في إيقاعٍ بطيء يشبه التأمُّل، وتكتسب كلَّ لحظةٍ وزنًا وقيمة، وبدلًا من أن يكونَ الملل نتيجةً لهذا البطء، يصبح البطء نفسُه مصدرًا للمتعة السينمائية.
بينما يتجه العالم نحو مزيدٍ من السطحيَّة والاختزال، تأتي سينما جيرستر لتذكِّرنا بما غاب عن كثيرين: إنَّ الجمالَ الحقيقيَّ يكمن في البساطة، في الغموض الذي يفتحُ أبوابًا للتأمُّل، وأن الصمت قد يكون أكثر بلاغةً من الكلام. مع عودته المرتقبة، يظلُّ جيرستر واحدًا من الأصوات السينمائيَّة الأصيلة التي تتمسَّك بإيمانها بقدرةِ السينما على تغيير طريقةِ نظرتنا إلى العالم، ليس من خلال الصدمة أو الإبهار البصري المفرط، بل عبر اللمسة الرقيقة التي تحرِّك شيئًا عميقًا في داخلنا، وتدفعنا إلى إعادة النظر في الحياة اليوميَّةِ بنظرةٍ جديدة. قد يكون هذا هو الإرث الحقيقي لجيرستر: تذكيرنا بأنَّ السينما، في جوهرها، ليست مجرَّد هروبٍ من الواقع، بل هي دعوةٌ لرؤيته بوضوحٍ أكبر، للعثور على المعنى في عالمٍ قد يبدو أحيانًا وكأنَّه يفتقرُ إليه.
خاتمة
بعد مشاهدتي لفيلمي جيرستر، شعرتُ أنَّ ساعات اليوم الواحد تتفتَّت إلى مرايا لا متناهية، تعكس في زواياها المتشظيَّة تعرُّجات الروح البشريَّة بكل تناقضاتها وتعقيداتها. ويغدو الزمن، في نهاية المطاف، أكثرَ من مجرَّد خطٍ مستقيمٍ يمتدُّ إلى الأمام؛ إنَّه نسيجٌ متشابكٌ من اللحظات المتداخلة، حيث تتلاشى الحدود بين الماضي والحاضر، ويصبح كلَّ تفصيلٍ صغيرٍ صدى لحكايةٍ أكبر، تتكشَّف ببطءٍ في أعماق النفس.
وهذا هو جوهرُ السحر في عالمه السينمائي؛ حيث تتحوَّل التفاصيلُ العابرة إلى متاهاتٍ فلسفيَّة، ويغدو كلُّ مشهد، مهما بدا بسيطًا، نافذةً على عوالم داخليَّة معقَّدة. فابتسامةٌ عابرةٌ قد تكون قناعًا يخفي أجيالًا من الألم المتوارَث، ولقاءٌ عابرٌ في شارعٍ مزدحمٍ قد يصبح نقطةَ تحوُّلٍ غير متوقَّعةٍ في مصير شخصيَّةٍ ما. يتلاعب جيرستر بالزمن كما يتلاعبُ عازفٌ ماهرٌ بأوتار آلةٍ معقَّدة، مستخرجًا منه نغماتٍ متداخلةٍ من الحزن والحنين، والأمل والندم، ليخلقَ سيمفونيَّةً بصريَّةً تتردَّد أصداؤها في وجدان المُشاهد طويلًا بعد انتهاء الفيلم.
وفي الختام، يظل جيرستر ذلك الفنَّان الذي يعيد إلينا الوعي بجمال التفاصيل العادية، مذكّرًا إيانا بأنَّ في إيقاع أيَّامنا الرتيبة تنبضُ حكاياتٌ خفيَّة، تنتظر من يلتقطها ويمنحها صوتًا. فكلُّ لحظة، مهما بدت عابرة، تحملُ في طيَّاتها عمقًا يتجاوزُ المألوف، ومعنى يستحق أن يُكتشف، كأنَّ الحياة نفسها فيلمٌ غير مكتمل، ينتظر عينًا ترى وقلبًا يصغي.