الفيلم الدانماركي «الفتاة ذات الإبرة» (The Girl with the Needle - 2024)، أو Pigen med nålen كما في لغته الأصلية، والذي ترشَّح لجائزة الأوسكار عن فئة أفضلِ فيلمٍ بلغةٍ أجنبية، هو فيلم من ساعتين مليئتَين بما هو مقزِّز، ولذلك فهو عصيٌّ على تصنيفِ عُمْرِ من يشاهده، وإنَّما مرهونٌ بقدرته على تحمُّل مشاهدةِ ما اكتزَّ به من بؤس.
يقدِّم الفيلم مأساة ما بعد الحرب، وهو من إخراج السويدي ماغنوس فون هورن، حيث أعاد تجسيد قصَّةٍ حقيقيَّةٍ بمشاركة الدنماركية لين لانجيبك كنودسن، مستثمرًا حكاية «داغمار أوفربي»، دون أن يمنحها دور البطولة، وإنَّما مزجها ببطولة غيرها في ظل الحرب، وما أقساها من بطولة!
يحكي الفيلم قصة السيدة «كارولين نيلسن» (فيش كارمن سون) عاملة المصنعِ البائسة التي انقطعت أخبار زوجها في الحرب العالمية الأولى 1919، فالحربُ هنا لا تترك بصمتها على الزوج دون الزوجة، ولذلك اختار المخرج بقرارٍ فنيٍّ أن يكون الفيلم بالأبيض والأسود، مجسِّدا العودة للخلف من جانب، وما يقتضيه الفيلم من سوادٍ أولى به أن يظهرَ كما هو، فالفيلمُ قطعةٌ من السُّخام الذي يُلطِّخ حياةَ هذه البائسة منذ غياب الزوج، ومتوالية العذابات ابتداءً بإخراجها من منزلها لعدم قدرتِها على السداد؛ لتتوالى العذابات في لباسٍ من المسرَّات القليلة التي لا تكتمل، والمفاجآت التي تأتي في الوقت الخطأ، ولذلك سُمِّيت مفاجآت! وتدور أحداث الفيلم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فحريٌّ بالأحداثِ أن تُشرق، غير أن المُخرج لم يترك بصيصَ أملٍ على الإطلاق، فكلَّما خرجت كارولين من ظُلمةٍ وقعت في أخرى أحلك منها.
ما بعد الحرب
تناولت العديدُ من الأفلام قصصَ ما بعد الحرب وحياة من لا يخوضها، ولذلك كان فيلم «سارق الدراجة» (The Bicycle Thief - 1948) للإيطالي فيتوريو دي سيكا بدايةً للواقعيَّة الجديدة، والالتفات للمهمَّشين وعذاباتهم المعلَّقة بدراجة كما في الفيلم، أو بما هو أقسى من انكسار إبرةٍ في مصنعٍ كما هو الحال في فيلم «الفتاة ذات الإبرة»، فالإبرة صُنِعت لتخترقَ وتقاوم، والقسوة تكمن في أن تنكسرَ كلَّ مرة، وهذا ما استمر بعد الحرب كما كان قبلها، فالاستسلام لغياب الزوج والبحث عن بديلٍ انكسارٌ، تلاه انكسارُ عودة الزوج «بيتر» (بسير زيسري) وهي حاملٌ من آخر، والقسوة التي عاناها الزوج بإصابةِ حرب جعلته مسخًا، وأعادته بصدمةِ ما بعد الحرب ليسكنه القلق، وتطارده الكوابيس، ولا نجاة إلا بالمورفين الذي يغيِّبه قليلًا!
الفرار
لا مفر! فهربُ كارولين بعد فقدها للوظيفة والمأوى، وحلمُ النجاة بحملها من «يورغن» (يواكيم فيلستروب) الثري، لم يتكلَّل بالنجاح، وحلم الخلاص لم يكتمل بعد تكشُّف الأمور، فالحقيقة التي تطاردُ الأنثى في مثل موقف كارولين، هو العبثُ المنتهي بعد الحمل، لأنَّ قوانين حياة الأثرياء تقتضي عدم ارتباط الرجل الثريِّ بمن هي أدنى منه، حتى وإن كان في بطن هذه المرأة البائسة قطعةٌ منه! بل حتى ولو كان يورغن قابلًا بها بدوافعَ نفسيَّةٍ مرتبطةٍ بجمالها، ولطالما قالوا: «ما أجمل الفقراء»، ولكن عقب قولهم «ما أقبح الفقر».
الزواج لا يتعلَّق بشخص، وإنما بأسرة! لذلك رفضت الأم اقتران ابنها المدلَّل بكارولين البائسة، فما كان أمامها سوى الهروب الذي لا يقل عن هروب زوجها من شكلِه الذي لازمه في المرآة، واسترجاعه لهول الحرب كلَّما هبط المساء، وهروبه إلى مسرحٍ أشبه بالسيرك لأداء دور مسخِ ما بعد الحرب، وتقديم «بيتر» للجمهور لمشاهدة من ضحى مِن أجلهم، ومع ذلك لم يلقَ إلا القرف من شكله، ولم تقبَل به إلا امرأته، التي لم تأنف من تقبيل زوجها، حتى وإن صار مسخًا كما يصيحون. فهل تستطيع كارولين البقاء مع بيتر المسخ؟ أم أن الهروب ملازم لها؟
ظل التردُّد حاضرًا في الفيلم وهذه من مزاياه، فقرار البقاء والفرار حاضرٌ في كلِّ المواقف ولا يمكن التنبؤ بحدوثه، وهذا ما يمتاز به الفيلم، فليس هناك ما تجزمُ به في تصرُّفات كارولين، وظلَّ الهروب حاضرًا في كلِّ موقف، بل والهروبُ مما يستحق الهروبَ بالهروبِ إليه. فإن كان من فرارٍ جديرٍ بهذا الفعل، فهو من «داغمار» (ترين ديرهولم)، السيدة التي تديرُ عملية التبنِّي السريِّة بواجهةٍ لمحلِّ بيع الحلويات؛ لأنَها تقوم بعملٍ إنسانيٍّ في ظاهره، بمساعدة الأمهات غير القادرات على رعاية أطفالهن، ومنحهم لطبقةٍ مخمليَّةٍ من القادرين على حضانتهم ورعايتهم، لكنه يُخفي خلفه حقيقة مروِّعة.
الاستقرار
حاولت كارولين الاستقرار لكنَّها فشلت. وحين أرادت الإقرار بالتخلُّص من حملها في حمَّام النساء الجماعي، لم تفعلها الإبرة ولم تنكسر هذه المرة، ففشِلت في كسرِ حملها، وخرجت خائبةً بنصيحةٍ من داغمار التي ساعدتها على ألّا تُفتَضَح، وأعطتها عنوانها متى ما أرادت المجيء إليها.
حدث ما أرادت داغمار، فحين وضعتها أنثى، وتمسَّك زوجها بطفلةٍ ليست له، هربت كارولين لداغمار باحثةً عن حياةٍ أفضل لابنتها، عبثًا!
ذهبت إليها لتقوم بوظيفةِ مُرضعةٍ لأطفال الغير، ولتستقرَّ في بيت ومتجر داغمار، ولتُرضع «إيرينا» (أفو كنوكس مارتن) ابنة داغمار التي جاوزت سن الرضاعة، قابلةً بإرضاعِ طفلةٍ وضيعةٍ متمردة، نافرةٍ ومتأمِّرةٍ عند طلب حصَّتها من الرضاعة!
كارولين كانت راضيةً بالمأوى، بمتعةِ إرضاع بقيَّة الأطفال وتجربة شعورِ المورفين المخدر، فهو ليس ببعيدٍ عمَّا يحقنه زوجُها في ذراعه، فالهدف هو الاستقرار الذي أحسَّتهُ من خلال تجربةِ ما يُذهِب عقلَها قليلًا، وخاصَّةً بعد التجربة الإنسانيَّة التي عاشتها عندما رافقت داغمار إلى السينما. إلَّا أنَّ هذا الاستقرارَ اللحظيَّ لا يدوم في ظلِّ تكشُّفِ ما تخفيه داغمار عنها، وما تفعله بالصغار.
الخيار
«عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ» كما قال درويش عن أرض فلسطين، فهل الصواب في ظل الحرب أن تختار الحياة؟ أم أن الموت أصوبُ؟ وهل القول دومًا سهل كبيت الشاعر، وصعب كما يحاول الفلسطينيون الحياة كل يوم تحت وطأة الاحتلال؟
الحياة مجموعة من الخيارات، وفي ظل الحرب؛ يبدو أن الموت أكثر لطفًا -في الظاهر- من حياة بائسة كالتي يعيشها «بيتر»، أو التي تعيشها «كارولين» بطلة الفيلم، فهي عبارة عن سلسلة من الخيبات لا انتهاء لها! ولذا فإنَّ الخلاصَ من هذه الحياة المُرَّة مبدئيًّا قابلٌ لنقاشٍ منطلقه اليأس، وعندما يختاره بيتر أو كارولين فهو أمرٌ متوقَّع، ولكن ما حدثَ أنَّ داغمار هي من اختارت النيابة عن كلِّ من سيقول لاحقًا «هذا جناهُ أبي عليَّ»، فاختارت للأطفال أن يفارقوا مبكِّرًا، وهذا الحدثُ مستوحى من قصَّةٍ حقيقيَّةٍ لقاتلةِ الأطفال «داغمار أوفربي»، تلك التي قتلت حوالي 25 طفلًا من بينهم طفلها خلال سبعِ سنوات، ولكن ما اختارته كارولين دراميًّا أن تشي بها بعد أن اكتشفت ما تفعله بالأطفال، وما فعلته بابنة كارولين ضمنًا، فختمت كارولين بعملٍ إيجابيٍّ باحتضانِ طفلة داغمار - من ناصبتها العداء من قبل - ولكن ليس للطفل أن يجني ما بذره والداه، وأن يُحاسب على ما فعلاه صغيرًا.
اختارت «كارولين» الحياة، فربَّما مع كل هذا السواد ثمة ما يستحق النظر، وعلى هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة فعلًا، فلولا السواد ما عرفنا قدر البياض!