نحت الأرواح: قراءة في ملاجئ أندريه تاركوفسكي السينمائية في عصر الصور الخاطفة، يعبِّد المخرجُ الشاعري طريقًا هادئًا نمعِنُ فيه ونتأمَّل.

آمرين مويدين
و
عبدالله آل زيد
April 4, 2025

إنَّ واحدةً من أبهى الصور الكلاسيكيَّة الشاعريَّة في السينما هي تلك التي تظهر فيها مارغاريتا تيريخوفا جالسةً على سياجٍ خشبيٍّ هزيل، محدقةً في جمال الريف الروسي الباعث للشجن، متحسِّسةً بأناملها طرفَ السيجارة التي كانت تدخّنها. ثمَّة جزءٌ منها ينتظرُ زوجها المُغرَّب والجزء الآخر غارقٌ في غمامةٍ من الخيالات، وقد أصبحت هيئتها المميَّزة رمزًا للفنِّ التأمُّلي وأحد أبرز مهندسيه السينمائيِّين: أندريه تاركوفسكي، الأب الروحي للسينما الفنيَّة البطيئة. يقدّم الفيلم الأقرب لنفس هذا الأخير «المرآة» (Mirror - 1975) تأمُّلًا عميقًا في طفولته التي قضاها في الحرب، ومُعاينةً مدروسةً صامتةً للأمومة، وجولةً في عديدٍ من العلاقات الشخصيَّة التي ينمِّيها الشخص أو يذبِلها.

إن أفلام تاركوفسكي - المليئة بلحظاتٍ من السكون أو النشاط المحدود - هي رحلةٌ رُوحيَّةٌ حسَّاسةٌ في نفسه. لقد نُوقش في العديد من القاعات الجامعيَّة أنَّه كان مؤمنًا أنَّ الوظيفة الأساسيَّة للفنِّ هي تحسين الروح البشرية، وفي أفلامه لطالما حرث أرضَ روحه ساعيًا لتأكيد ذلك، وبالمثل، احتفى بأدنى تعبيرٍ عاطفيٍّ تجاه الفنِّ في مقابل الآلافِ من تحليلات وتفسيرات الأفلام. إنَّ عدم امتثال فيلم «المرآة» بالقواعد والتصانيف، ورفضه الصارخ للحبكة وسير الأحداث الخطِّي، أدَّى إلى تلقيه نقدًا عنيفًا. في إحدى اجتماعات تاركوفسكي مع المجلس الفنيِّ الحكومي، انتقصَ المخرج فلاديمير نوموف من فيلم «المرآة» واصفًا إياه بالهراء عديم الفائدة، فقد انتقدَ تاركوفسكي لامتناعه عن التعديلات الموصاة له صارخًا في وجهه: «يا لكَ من عبقري، يقولون لك إنَّك عبقريٌّ وأنت تصدِّقهم! يقولون لك إنَّكَ صنعتَ تحفةً وأنت تصدِّقهم! اللعنة على اليوم الذي بدأ تاركوفسكي بتصوير فيلمه!» لكن هنا شدَّ تاركوفسكي رحالَه وهجر صناعة الأفلام المبتذلة وقيود التصنيف، وقيود المنطق والقصص الخطيَّة الواضحة.

كان فيلم «المرآة» محاولةَ تاركوفسكي للتوبة عن ذنوبه وتقصيره كابنٍ وشقيقٍ وزوجٍ وأب. تُظهرُ الذكريات الحالمة لبطلِ الفيلم أليكسي - بديل تاركوفسكي - عجزَه عن مبادلة المقدار نفسه من مشاعر الحب التي حصل عليها في حياته مع من حوله. يرسمُ تاركوفسكي قلقَه الداخلي فيما يشبه لوحات بروغل المستحيلة: حيثُ تحلِّق أمٌّ ملهوفةٌ محزونةٌ في أحلامها؛ ويرتاد مراهقون تدريبات الرَّمي في أوقات الحرب والشدَّة؛ ويركض الأشقَّاء بين الأشجار لاحتضان والدهم عند عودته إلى المنزل. في قواعد تاركوفسكي البصرية (حياكة مشاهدِ الأحلام والذكريات والأخبار، وتعيين نفسِ الممثلين في أكثر من دورٍ في نفس الفيلم، وفصلُ الحوارات عن سياقها الدقيق، ويتخلَّل هذا النسيج كله أشعار والد تاركوفسكي التي ينشدها في الخلفية) في النهاية، تنتجُ فيلمًا يطلبُ منك أن تشعر به وليس أن تفهمه، إنَّه يشجِّعُ المشاهد على الاستسلامِ للحدس لا العقل. إن كانت أفلام تاركوفسكي تُعرَف بقِلة كلام شخوصها وهي تتعذَّب من الحداثة، ذلك لأنها تجلِّيات صادقةٌ للنفس وهي تعتركُ مع مشاعرها المعقَّدة بينما تسعى إلى صفاءٍ روحي.

تؤكِّد أفلام تاركوفسكي القوَّةَ الطوطميَّة للصور في عالمٍ يميلُ إلى استهلاك الصور أيَّما استهلاك، إلى الحد الذي غدت به خاليةً من المعنى. إنَّ الدافع السريع الذي لا يقاوم لتوثيقِ كلِّ شيءٍ عبر الكاميرات، سواءً كانت رغبةً عاديَّة، أو مثيرةً للدهشةِ أو مرعبةً حتى، يطرح السؤال التالي: هل يمكن للصور أن تدوم؟ وعندما تُنشَر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مكبِ نفاياتٍ رقميٍّ مسلَّع، هل الصور تُسفر عن مصلحةٍ تبادليَّة محضة؟ عوضًا عن ذلك، أعادت أفلام تاركوفسكي الثقة في التمثيل الصوري، حيث قدَّمت لغتُه البصريَّةُ ملجأً من القوى الاستهلاكيَّة، ممَّا خلقَ تفاعلًا مثيرًا وملهمًا وأيضًا استفزازيًا بين التجريديَّة والماديَّة. إن تاركوفسكي يرفضُ الإملاءات السطحيَّة للسوق، بل ويجاهدُ للانغماس في داخل النفس ونحت جوهرها، في عصرِ الجنونِ الرقمي، من المريح والمثير أن نشاهد أبطال أفلام تاركوفسكي وهم يتجوَّلون وسط مناظرَ طبيعيَّة جدباء بأكتافهم المنحنية وقلوبهم المُثقلة، متنقلين بين بقعٍ جغرافيَّةٍ هادئةٍ لعلَّ هذا الهدوء ينعكس على أرواحهم.

بعد حوالي الساعة والربع من بداية فيلم «المُطَارِد» (Stalker - 1979)، يقرِّر المسافرون الثلاثة في رحلةِ بحثهم عن الغرفة الأسطوريَّة، التي تتَّخذ أكبر الأشكال الماديَّة لرغباتهم، أن يأخذوا قيلولة، قبل أن يخوضوا في خطابٍ يتَّسم بالترنُّح والبطء، فتنغمسُ الشخصيات في تأمُّلٍ ذاتيٍّ وهم يرشقون بعضهم البعض بالسخريات الواهنة. يمتدُّ المشهد لحوالي ثماني دقائق، ويتكوَّن من لقطاتٍ طويلةٍ تأمليَّة، مما يمنحه سكونًا كافيًا ليجعل المشاهد ينغمس في الحالة ذاتها من الشرود. القوام السمعيُّ الغنيُّ يأسر المشاهد في اللحظة الحاليَّة: صوتُ قطرات الندى المنزلقة، أنفاسُ الرجال النائمين في شهيقٍ وزفير، المونولوجات الطويلة، والصمت المحسوب بعناية. تشجِّع الوتيرة الخافتة لهذا المشهد المشاهدين على التناوب بين النظر إلى تعقيدات الشخصيَّات وعالمها الخارجي. من بين كلِّ الاستفزازات الفكريَّة التي يثيرها الفيلم، يشكِّل هذا المشهد، الذي يشبهُ التهويدة، تمرينًا على السكون؛ إنَّه لحظة راحةٍ وسط حكايةٍ فلسفيَّةٍ كثيفة، لكنَّه يظلُّ ممتلئًا بالإثارة الذهنيَّة. ضمن هذا الإيقاع الدبق والبطيء، يغدو الوقت محسوسًا بكلِّ ثقله، منفصلًا عن كلِّ ذلك القلق الرأسمالي الناشئ نتيجةَ مروره.

وأمَّا في ملحمته التاريخيَّة «أندريه روبلوف» (Andrei Rublev - 1966) فيفترض تاركوفسكي وجود علاقةٍ حيَّة بين روحانيَّة رسام الأيقونات الروسي في العصور الوسطى وحرفته المباركة: صناعة الصور. يصوِّر تاركوفسكي الإيمان كقوَّةٍ فنيَّةٍ أساسيَّة، فبدونه يصاب بطله بالشلل الإبداعي. فعندما يفقدُ إيمانه بعد أن يشهدَ الدمار الذي يلحقه البشر ببعضهم، يفقدُ القدرة على الرسم. من دون عزاء الروحانيَّة، لا يمكنه أن يكون فنانًا. مع ذلك ينتهي الفيلم بترقُّبٍ شديدٍ حيث يقرِّرُ روبلوف التقاطَ الفرشاة مجددًا، لينتقل بعد ذلك إلى خاتمة تمتد لثماني دقائق، حيث ينكسر الكآب الأسود والأبيض فجأة ليكشف عن ألوان نابضة بالحياة، في استعراض لست عشرة من أيقونات روبليوف الحقيقية. حينها تصل معزوفة الملحن فياتشيسلاف أوفتشنكوف إلى ذروتها، ويجبر هذا التسلسلُ الحيوي المشاهدَ على ملاحظة ضربات الفرشاة وتفاعل الألوان والإيمان القوي الذي ساهم في رسم هذه الأيقونات النابضة بالحياة. تصبحُ إطلالة الكاميرا حميميَّةً وفضوليَّة، مقدِّرةً ومتأمِّلة، وهو يتنقَّل بعنايةٍ بين تفاصيل الأيقونات، ملهِمًا ذلك الشعور من النشوة والرهبة الذي يصاحب التجربة الفنيَّة. لا يكفي أن يُشاهَد هذا العمل الملحمي الذي يمتدُّ لـ 205 دقائقَ بشكل عابر، بل من الضروري التمعن في أيقونات روبلوف ودراستها عن كثب، فرؤية الفيلم الغامرة قد تأسر حتى أولئك الذين اعتادوا على سرعة الاستهلاك البصريِّ في ثقافة التسرُّع الحديثة.

ربما يمكنُ لمذهب تاركوفسكي في الشعر البصريِّ، والذي يتجلَّى في التأملات العاطفيَّة لفيلم «المرآة»، أن يذكِّرنا بالسببِ الذي يجعلنا نلتقط الصور، أهي للأجيال القادمة؟ أم أنَها تجسيدٌ للهيمنة البشريَّة أمام وطأة الزمن الذي لا يرحم؟ أم أنَّها كما تبدو استعراضُ مختاراتٍ ذاتيَّةٍ عن معاركَ طويلةٍ ومملَّةٍ كي ننسجَ أنفسنا من خلال صورٍ جاذبةٍ ومثاليَّة؟ وما هي النفوس التي تثيرها تلك المرئيَّات؟ وما هي الأرواح التي يُسخِّرونها في سبل الخير؟ هذه الوقفات الضروريَّة المطلوبة لتفحُّص حياة المرء تذوبُ في مشهدٍ مذهلٍ من الجمال والتقدُّم، لذا فاعتناق تاركوفسكي لمذهب البطء ما هو إلا بمثابةِ بلسمٍ أو وسيلةِ دفاعٍ أخيرةٍ أمام تلك القوى المحطِّمة، حتى وإن صُلب تاركوفسكي في سبيل السينما بوصفها مهربًا ترفيهيًّا، ثمة حسٌّ بالأمانِ في أعاصيره الهادئة، إذ يجعل المشاهدَ رابضًا في منأى هادئٍ مفعمٍ بالتهويدات والأصوات الساحرة في استرخاءٍ وادع. في ثقافةٍ لا تهدأ ولا تستكين لأدنى تأخير، تكابدُ أفلام تاركوفسكي الزمن، وهذه ركيزةٌ مهمَّةٌ للتقدُّم والتحسُّن، فهي تعالجُ الصورَ والتجربةَ بالصبر، سواءً كانت هذه التجربة حقيقيَّةً أم مُتخيَّلة.

في فيلم «المرآة»، يقول ذلك الرجل الغريب الوديع الذي لا نعرف اسمه - قام بأداء دوره الممثل آناتولي سولونيستين - لشخصيَّة مارغاريتا تيريخوفا باندفاعٍ حزين: «هل خطر في بالكِ مرَّةً أن للنباتات شعورٌ أو إدراكٌ حتى؟ هذه الأشجار، وشُجيرة البندق هذه لا تعدو؛ بل نحن من يعدو ويتململ، ونحن من نتحدَّث بأحاديثَ تافهةٍ ونصدر جلبة، وذلك يعود لأنَّنا لا ندرك الطبيعة الكامنة فينا، فنحن متذمِّرون ومتعجِّلون ولا وقت لدينا كي نفكر». هذا الانعكاس الرقيقُ ما هو إلا تذكير مدوٍّ بالضرر الدائم الذي تسببه أمزجتنا العَجِلَة في صراعنا مع الحياة، كاللمسةِ الحانية على جرحٍ مفتوح.

المصدر

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى