المخرج قاسم حول: أفلامي جميلة ولكنها تحتاج إلى مُشاهدٍ جميل

حاوره: د.أحمد القاسمي
و
April 4, 2025

يبحثُ قاسم حول، المُخرج السينمائي والمسرحي، والممثِّل والروائي، والناقدُ الفنِّي العراقي الرائد، عن مستقرٍّ له في كل أرض، فلا يجد له بأرض مستقرا. فمنذ ما يقارب نصف قرن، غادر العراق بعد أن اضطرّ إلى الفرار هاربًا من قبضة نظام صدام حسين، وانتقل إلى لبنان حيث انضمَّ إلى «الجبهة الشعبيَّة لتحرير فلسطين»، وعمل إلى جانب الأديب الفلسطيني الكبير غسَّان كنفاني. وفي لبنان، وجد متنفسًا مؤقتًا لفنه، حيث أخرج الفيلم والمسرحية، وكتب الرواية ونشر المقالات النقدية، لكنَّه سرعان ما وجدَ نفسَه في مهبِّ رياح الغربة مجددًا، متنقِّلًا بين المنافي، حتى انتهى به المطاف لاجئًا في هولندا، ثمَّ مواطنًا فيها. ورغم ذلك لم يتخلَّ عن مشروعِه الثقافي، بل واصل نضالَه الفنِّي والفكري، داعيًا إلى "سينما عربيَّة بديلة" يؤمن بأنَّها ضرورةٌ لمواجهة أنماط السينما السائدة وإعادة تشكيلِ الوعي العربي من خلال الفن.

ولأنَّ تجرُبته الفنيَّة تمتدُّ لأكثر من نصف قرن، وتشكِّل مرآةً تعكسُ واقع الفنِّ في العالم العربي بكلِّ تحوُّلاته وتعقيداتِه، رأينا أن يكون هذا الحوار معه نافذةً نستكشفُ من خلالها منجَزه الإبداعي، ونضعُه في سياقِه الحضاري والفني. فبعضُ الحواراتِ ليست مجرَّد لقاءاتٍ عابرة، بل هي أفعالُ تأويلٍ وقراءة، تمنحنا مفاتيحَ لفهمِ أعمال أصحابها، وتعمِّق وعينا بتجاربهم الفكريَّة والجماليَّة.

1- بدأت رحلتك في عالم الإبداع السينمائي من خلال الفيلم الوثائقي. حدِّثنا عن بداياتك بشكلٍ أكبر.

بدأت مسيرتي السينمائية مخرجًا لفيلم «الأهوار» (1975)، وهو الفيلم الذي برز على المستويات العراقيَّة والعربيَّة والعالميَّة، وأصبحَ مادَّةً تعليميَّةً في كثيرٍ من معاهد السينما، بحيثُ يُستخدمُ كنموذجٍ لدراسة منهجيَّة البناء البصري والصوتي، واستخدام الموسيقى وأساليب التصوير. وتكمنُ قيمته المضافة في كونِه الفيلم الوثائقي الوحيد الذي غطى عموم الحياة الاجتماعية والبيئية والجمالية لعموم منطقة الأهوار التي تشكل في مساحتها ثلثي جنوب العراق، هذه المنطقة التي تعود للحضارة السومرية قبل سبعة آلاف سنة، المنطقة المائيَّة التاريخيَّة التي واجهت خطر الزوال يوم قرَّر النظام الدكتاتوري تجفيفها، متخذا من الحرب ذريعة لإعدام هذه المنطقة التاريخية المائية وتجفيفها، وإماتة الحياة السمكيَّة فيها وإحراق القصب والبردي من جذوره.

2- كيف كان انخراطك في هذا النوع السينمائي الذي لم يكن يجذب إليه الكثير من المبدعين العرب؟

ما شدَّني إلى هذا النوع من الأفلام هو وجود مخرجين يرون أنَّ السينما في جوهرها وثائقيَّة ويرفضون الاعتراف بالفيلم الروائيِّ كصورةٍ رئيسيَّةٍ للفنِّ السينمائي. وعلى رأسِ هؤلاء نجد دزيغا فيرتوف. وحتَّى وقتٍ غير بعيد، لم تكن لغة السينما الوثائقيَّة ومفرداتها قد تبلْوَرت بشكلٍ واضح. ولكن في بداية الخمسينات من القرن العشرين، التقى عدد من مبدعي السينما الوثائقية في مدينة لايبزغ الألمانية، ومن بين هؤلاء يورس إيفنز، جون جريرسون، سانتياغو الفاريز، هانس كريستنسن، كارل غاس، محمد الأخضر حمينة، رومان كارمن وغيرهم، ووضعوا نظامًا مهرجانيًّا دوليًّا بكلِّ معنى الكلمة لبلورة مفهوم السينما التوثيقيَّة التي تتمتَّع بجماليَّتها الخاصَّة بمفهومها الفنِّي الصحيح وليس بصيغتها التلفزيونية المتداولة الآن، وفي أغلبها.

وقد أفرزت السينما الوثائقيَّة أسماء عظيمة، وأصبحتْ لها قاعدةٌ جماهيريَّةٌ متحمِّسة، مما أدى إلى إنشاء صالات عرضٍ صغيرةٍ مخصَّصةٍ لها. لم يكن عدد مشاهدي هذه الأفلام يتجاوز المئتي شخص، إلا أنَّها كانت تُعرض في هذه الصالات لأسابيع وربما لشهورٍ متتالية. غير أنَّ هذه الظاهرة تلاشت للأسف مع تطوُّر التلفزيون، الذي استوعب هذا النوع من الأفلام، لكنَّه في الوقت نفسه جرَّدها من قيَمِها الجماليَّة والفكرية. 

3- لاحقًا، قمت باقتباس رواية «عائد إلى حيفا» وتحويلها إلى فيلمٍ سينمائي. ألا تعتقدُ أنَّ تأثير غسان كنفاني ظلَّ حاضرًا بقوة، وأنَّك لم تتمكن من التحرُّر من رؤيته الفكريَّة والجماليَّة إلا بشكلٍ محدود؟

من ضمن الأسئلة التي تطرح عليّ باستمرار هي تلك المتعلِّقة بعلاقةِ الفيلم بالرواية، أو بحضور ظلِّ غسان كنفاني المؤلِّف في الفيلم. لا شكَّ أنَّ جزءًا كبيرًا مما يقال صحيح، ومردُّ ذلك إلى حرصي على الأمانة، إلى جانب علاقتي الشخصيَّة مع غسان كنفاني، فقد عملت معه في مجلة "الهدف" قرابة أربع سنوات، وخلال تلك الفترة توطَّدت علاقتنا ثقافيًّا وإنسانيًّا. ومن البديهيِّ أن أكون وفيًّا لأفكاره ورؤيته للواقع، وإلا لَما أخترتُ روايته كي أقدِّمها سينمائيًّا.

ولكن لا بدَّ من الإشارة إلى الفرق الجوهري ما بين التحلِّي بالأمانة تجاه النصِّ وبين البعد السينمائيِّ له. فقد كتبتُ سيناريو سينمائي ولكنَّني لم أكتب رواية غسان سينمائيًّا. وبناء السيناريو يختلف تمامًا عن بناء الرواية. فالحوار - على سبيل المثال - الذي دار بين الفلسطيني سعيد واليهودية البولندية حول خلدون، الذي أصبح إسمه دوف، لم يرِد في الرواية سوى في بضعة سطور، فيما المشهد المتعلق بالعودة إلى الماضي، منذ هجرة السيدة البولندية ومقتل طفلها الوحيد من قبل القوات النازية في بولندا، قد أخذ أكثر من ثلثِ الفيلم كتابةً وتنفيذًا، مرتكزًا على مخيِّلتي، لتجسيد طبيعة الصراع النفسي والسياسي.

4- مثل معظم أفلامك، لهذا الفيلم أيضًا قصَّة، أليس كذلك؟

تمامًا. فعندما أنهيتُ عملي على الفيلم وكان من المقرَّر عرضه في بيروت، كانت إسرائيل قد غزت لبنان ووصلت إلى بيروت، ممَّا حال دون عرضه هناك. وهكذا ذهب العرض الافتتاحي إلى صالة سينما الكندي في دمشق، ثمَّ عُرِض لاحقًا على شاشة تلفزيون الجزائر، وشارك في مهرجان موسكو وأيام قرطاج السينمائية. ولكن بشكلٍ عام، لم يحظَ الفيلم بفرص عرضٍ كثيرةٍ في بداية الأمر.

فجأةً وقبل بضع سنوات، أخذت الرسائل تصلني بشكلٍ كثيفٍ لتوفير نسخِ عرضٍ مترجمةٍ ونظاميَّةٍ لبريطانيا وبلجيكا وإيطاليا، وحتَّى جامعة براون في الولايات المتَّحدة، مع تخويلها بالاحتفاظ بنسخةٍ في أرشيف الجامعة. وطُبِعت آلاف النسخ لصالح مؤسَّساتٍ كثيرةٍ في العالم ولصالح سينمائيِّين. وهكذا أصبح الفيلم مطلوبًا ومرغوبًا.

لاحقًا عُرِض الفيلم في الحفل الختامي لمهرجان أيَّام فلسطين السينمائيَّة في دورته الثالثة، والعرض الختامي يكتسبُ أهميَّة خاصَّة في المهرجانات. كانت الصالة مزدحمةً لدرجة الاختناق بالمشاهدين، وساد الصمتُ التام طول مدَّة عرض الفيلم. وما إن ظهرت كلمة النهاية حتى وقف الجمهور دفعةً واحدةً وأخذ يصفِّقُ بحرارةٍ لخمسِ دقائق متواصلة.

5- برأيك، ما هو السبب في هذا الاعتراف المتأخِّر؟

أعزو هذا الاعتراف المتأخِّر لأسبابٍ عديدة: أوَّلها يرتبطُ بطبيعةِ أزمة الصراع المستعصية "تقريبًا" بين الفلسطينيِّين والإسرائيليين؛ وثانيها يعودُ إلى ازدياد الاهتمام برواية غسان كنفاني، ومن ثمَّ تجسيدها فنيًّا في الفيلم. فالرواية تقدِّمُ تحليلًا واضحًا لأبعاد الصراع العربي-الإسرائيلي، وتسلط الضوء على المفارقة المؤلمة التي جعلت اليهود، وهم الذين عانوا من اضطهاد النازيَّة، يتحولون إلى مضطهِدين للفلسطينيَّين. هكذا أصبح فيلم «عائدٌ إلى حيفا» (1982) نموذجًا ثقافيًّا يجسِّد الرواية الفلسطينية ومبدعها غسان كنفاني، والنموذج الإنساني الذي يجسِّدُ بهدوءٍ ثقافي، وليس بصراخ عقائدي، أبعاد المشكلة الفلسطينيَّة والإسرائيليَّة على حد سواء. 

أمَّا الفضل الأكبر في هذا الاعتراف فيرجعُ إلى واقعيَّة مَشاهِد الهجرة الفلسطينيَّة وحماسة الأهالي للمشاركة في تصوير الفيلم. فقد دلنا رئيس الوزراء اللبناني السابق آنذاك رشيد كرامي على مواقع للتصوير تشبهُ مدينة حيفا الذي كان قد زارها في صباه، بل وأوقف العمل بميناء طرابلس ليومٍ كاملٍ من أجل تحويله إلى ميناءِ حيفا. ومنحنا رئيس الجمهورية السابق آنذاك سليمان فرنجية بلدته زغرتا بأكملها كموقعٍ للتصوير، وحرصَ على منعِ مرور السيارات الحديثة للحفاظ على طابع الزمن القديم في المشاهد، إضافةً إلى حثِّه عناصره على تمثيل دور الجنود الإسرائيليين.

كما شاركت الممثِّلة الألمانيَّة الكبيرة كريستين شورن في الفيلم وبدون مقابل، وذلك نظرًا لشحِّ الميزانية، وهي الحائزة على جائزة الدولة الألمانيَّة لأفضل ممثِّلة. كما عوَّلنا على بعض سكَّان مخيَّمي النهر البارد والبداوي من الذين عاشوا تجربة الهجرة الحقيقيَّة من فلسطين عام 1948 بعد أن عملنا معهم ثلاثة شهورٍ ما بين تدريبٍ وجمعٍ للملابس والإكسسوارات القديمة. حتَّى صيَّادو الأسماك في مدينة طرابلس توقَّفوا عن الصيد يوم تصوير مشهد الهجرة وقدَّموا زوارقهم لتنفيذه... كلُّ هذا الدفء منحَ الفيلم نكهةً خاصَّةً عوَّضت عن محدوديَّة الإمكانيَّات التقنيَّة في بعض المشاهد الداخلية التي كنت بحاجةٍ إلى تنفيذها بشكلٍ أكثر تطوُّرًا.

6- يرى البعض أن «بغداد خارج بغداد» يقدِّمُ رؤيةً فنيَّةً مختلفةً تضعه في منطقةٍ وسطى بين التخييل والتسجيل، لكنَّ المشاهد قد يجدُ صعوبةً في التقاط الخيط الناظم بين أحداثه، رغم تأكيدك على أنَّ جميع مشاهده تشتركُ في الغربة الوجودية. كيف تفسر ذلك؟

لقد اخترت نماذجَ من مثقفي العراق في تاريخ العراق، أولئك الذين حملوا الهموم ذاتها، تقاسموا التمرُّد والخوف، وعاشوا الترقُّب الدائم لما سيحدثُ في بلادٍ صار الخوف فيها هاجسًا لا يفارقُ الأرواح. وقد وقع المحظورُ فعلًا، ولم تعُد بغدادُ حلمَ ألفِ ليلةٍ وليلة، بل غدت بقايا مدينةٍ يسكنها ركام الحياة أكثر ممَّا تسكنها الحياة نفسها. هذه هي حكاية «بغداد خارج بغداد» (2015).

والأكيد أن تجربةَ هذا الفيلم لا تختلفُ عن أفلامي السابقة فحسب، بل عن أفلامٍ عربيَّةٍ كثيرة. فعندما عدتُ إلى بغداد بعد سنواتٍ من سقوط نظام صدام حسين، باغتني كابوسٌ غريبٌ أربكني وأرَّقني، وكمن استيقظ ليجد في وجدانه قصيدةً سينمائيَّةً تبحثُ عن شكلها، لم يكن أمامي إلا أن أكتبها بعدستي. وهكذا أخرجتُ فيلمًا وجدانيًّا جماليًّا ينظرُ إليه كثيرون بعينِ الاندهاش والمحبة، إذ كتبتُ السيناريو بطريقةٍ تخلَّصتُ بها من البناء السردي التقليدي، الذي ربَّما ملَّه الجمهور، وأرسيتُ تجربةً جديدة في لغةِ التعبير السينمائيَّة، وهي تجربةٌ يمكن أن نطلق عليها "المشهدية"، حيثُ تتوالى المشاهد لتجسِّد ثيماتٍ متقاربة: الغربة، والخوف من الموت، في مدينةٍ أصبحت بقايا مدينة وضاعت معالمها، كأنَّها مدينة أشباح. 

7- ثمة مشهد يتكرَّر في أفلامك، ألا وهو مشهدُ القارب في البحيرات أو الأنهار (في «الأهوار» و«بغداد خارج بغداد» و «المغنِّي») ما الذي يجذبُك إلى هذا التكوين السينمائي؟

ليس ذلك في أفلامي فحسب، بل في قصصي ورواياتي أيضًا. وليست المياه وحدها، إنَّما الفوانيس أيضًا، فوانيسُ الأكواخِ الفقيرة التي لا تعرف الكهرباء، فوانيسُ الشارع في الأرياف، الفوانيس التي على ضوئها كنت أقرأ دروس القراءة الخلدونية وأتهجَّى الحروف للمرَّة الأولى. وكذلك تشدني العربات التي تجرها الخيول. هذه المُفردات التي عشتُها فقيرًا أو تحت خطِّ الفقرِ أجدها اليوم ذات قيمةٍ جماليَّةٍ عاليةٍ في السينما، وقد جسدتُها في فيلمي الذي سأكافحُ من أجل إنتاجه وهو «العودة إلى الجنة»، ليكون خلاصة تجاربي في السينما. وسأمثِّلُ فيه شخصيَّة "مضيء الفوانيس"، لأنني نشأتُ في كوخٍ فقيرٍ على ضفة النهر، حيث تطفو على سطحه ورودٌ صفراءُ وزرقاءُ وبيضاء، وكانت الزوارق، التي يسمُّونها "المشاحيف"، تتهادى بين تلك الورود المتناثرة، غازلةً مساراتها وسط الألوان العائمة. لا شك أنَّ هذه المشاهد الجميلة، والتي اختزنتها عينُ طفل فقير ومرهف وحساس، قد انعكست في وجدانه لتظهر لاحقًا على شاشته حينما أمسى سينمائيًّا.

8- لا مناص من الاعتراف بإن فيلم «المغنِّي» تجربة متميزة في مسيرتك السينمائية وفي السينما العربية عامة. ولكن ومن خلال الحديث معك، أكتشف مكانته الخاصة في قلبك. ما الذي يجعل هذا الفيلم مختلفًا عن أعمالك الأخرى على المستوى الشخصي والفني؟

قبل كلِّ شيءٍ دعني أتحدَّثُ باختصارٍ عن تجربة فيلم «المغنِّي» (2010): كتبته وصدَّام في سدَّة الحكم، وكنتُ أرغبُ في العملِ عليه وهو على قيد الحياة، مع أن الفيلم لا يتحدَّث عن دكتاتورٍ بعينه لأنّ السينما في جوهرها موقفٌ فكريٌّ وفني، وليست أداةً لتصفية الحسابات مع هذا الشخص أو ذاك. غير أنَّ ظروفَ الإنتاج لم تكن لتسمح بالتنفيذِ حتَّى سقط الدكتاتور.

بعد عدَّة أعوام على سقوطه، تحديدًا عام 2009، تمكَّنتُ من الوصول على قصوره الرئاسيَّة. كانت مهدَّمةً وقد سرقَ الناس منها حنفيَّات الذهب والمقتنيات، حتَّى أبواب الغرف وأبواب الحمَّامات. كان عليَّ إعادة ترميمِ القصر، وبناء أبوابٍ من خشب الأبنوس. وقد شكَّل وجودي في مدينتي تجمُّعًا واستقطابًا لكافة عشاق السينما من الممثِّلين وعمَّال الديكور، وقرَّروا أن يقفوا معي في هذه التجربة.

9- من أبرز نقاط تَمَيُّز الفيلم هي التلقائيَّة في الأداء. كيف تمكَّنت من تحقيق ذلك مع ممثِّلين غير محترفين في الغالب؟ وما الذي ساعدك في إخراج هذا الأداء الطبيعيِّ منهم؟

تقريبًا اخترتُ معظَمَ ممثِّلي الفيلم من أبناء مدينتي، وهم من أساتذة معهد الفنون وطلبته المتحمِّسين لخوضِ تجربةٍ سينمائيَّة. فأقمت ورشة استمرَّت لأكثرَ من شهرين أثناءَ ترميم القصر، حيثُ قدَّمتُ دروسًا في الأداء التمثيلي السينمائي (وهنا أشيرُ إلى أنَّني أكره الممثِّل النمطي التقليدي). كان من الأهميَّة بالنسبة لي ألَّا يكون بين من أختارُهم أيُّ نجمٍ معروف. ثمَّ كتبتُ للشخصيَّات حوارًا يختلفُ تمامًا عن الحوار المعتاد في الأفلام العربيَّة، فلم أرغب في إغراقِ الفيلم بجملٍ متكلِّفةٍ ومبالغ في ثرثرتها وتفيض بالشعبيَّة، بل سعيتُ إلى أن يكون الحوارُ واقعيًّا ومتَّسقًا مع الشخصيَّات، ليعكسَ بصدقٍ خلفيَّاتهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة والإنسانيَّة. 

10- على الرغم من أن الفيلم حصد العديد من الجوائز والنجاحات، إلا أنه لم يتحول إلى فيلم جماهيري. هل تعتقدُ أنَّه حصلَ على الحظوةِ التي يستحقها؟

حينما يُعرضُ فيلمٌ معيَّنٌ على 1000 مشاهد، يتشكَّلُ ألف فيلمٍ وليس فيلمًا واحدًا. كلُّ متلقٍ يستقبلُ الفيلم وفقَ بناءِ شخصيَّته الاجتماعيَّة والثقافيَّة والحسيَّة الجماليَّة، وأحيانًا في منطقتنا، أي الشرق الأوسط والعالم العربي، يتأثَّر الموقفُ من المخرج أيضًا. بالنسبة لي، أعتبرُ كلَّ أفلامي جميلةً ولكنَّها تحتاج إلى مشاهدٍ جميل. أمَّا إذا حصل في مشهدٍ ما هنَّة تقنيَّة أو جمالية لهذا السبب أو ذاك، فإنَّ ذلك يعود إلى الظروف الإنتاجيَّة للسينما العربية، فهي تعاني من فقرٍ تقني، وتفتقرُ إلى ثقافة الصورة والضوء والصوت. في بعض الأحيان، يواجه المخرج نوعًا من الإرباك ويصعبُ عليه تجاوز هذه العقبات.

هل حصل الفيلم على الحظوة التي يستحق؟ شأني شأن الكثير من المخرجين، وبسبب العطبٍ في شبكة التوزيع، أحملُ أفلامي على ظهري وأجوبُ بها المهرجانات. وفيلمي «المغنِّي» حاز نصيبَه الجيِّد في هذا الجانب على مستوى الجوائز وعلى مستوى حجمِ المشاهدة، فقد عرضته قناة آرت الفرنسية وشاهده ملايين الناس، حتى أنه عوّضني على تجربتي في فيلم «عائدٌ إلى حيفا».

11- أنت تحظى بتقدير كبير في الأوساط الثقافية وبين النخب، ومع ذلك توحي أحيانًا بأنك لم تأخذ حقك إعلاميًا. ما الذي يجعلك تشعر بذلك؟

هذا هو حال من لا وطن له، أو من وُلد في وطنٍ يرزحُ تحتَ سطوة الدكتاتوريَّة أو عسف المؤسَّسات السلفيَّة المتخلِّفة عن العصر. لا بدَّ أن يقع الحيف على أمثالي. ومع ذلك، ما يسعدني أنَّني حين أنظر إلى نفسي في المرآة لا أشعر بالخجل، وحين تقبلني ابنتي، أشعرُ أنَّها تتذوَّقُ طعم القبلة بكلِّ فخر: "هذا أبي، كم هو نبيل!" وهذا أمرٌ بالغ الأهميَّة في نظري.

لو كان لي وطنٌ سويٌّ وسليمٌ لما أُغلقتُ مؤسَّستي السينمائيَّة التي أسَّستها وأنا في السادسة والعشرين من عمري، ولما اضطررتُ لمغادرته بعد إنجازي لأوَّل وأهمِّ فيلمٍ في تاريخ السينما العراقية، وربما العربيَّة، وهو فيلم «الحارس» (1967). لو كان وطني غيرَ قمعيٍّ وغير دكتاتوري، لكنتُ قد أسهمتُ في تعليم طلبته، وفي بناء ذاكرته السينمائية، وفي إقامة مهرجاناتٍ سينمائيَّة "حقيقية" في ربوعه. لكن بدلًا من ذلك، وجدتُ نفسي منفيًّا، باحثًا عن مكانٍ يحتضنُ إبداعي.

حين غادرتُ الوطن، وبعد أن طالتني يد الدكتاتوريَّة، بقيت فترةً في بيروت، أنام على ساحل البحر، حتى أصبحت مشرَّدًا بنظرِ القانون. كانت الفرقة 16 اللبنانية تعتقلني بتهمةِ عدم امتلاك إقامة، وتلقي بي على الحدود السورية، فأعود متسلِّلًا إلى لبنان. قاومتُ هذا الحيف بكلِّ ما أملك، وأصبحت صديقًا لغسان كنفاني، وحلمنا معًا بعالمٍ أكثر عدلًا. 

أما اليوم، فأنا مواطنٌ هولنديٌّ، أعيشُ بهدوءٍ مع أسرتي، مكتفيًا بما أنجزتُه سينمائيًا وروائيًا. لم أسعَ يومًا إلى الشهرة، رغم أنني لو أردتها لبلغتُ الآفاق. الشهرةُ سهلة، أما الإبداع فصعب. العالم كله يُجِلُّ تشايكوفسكي، بيرغمان، فيلليني، بيكاسو، فان غوخ، بازوليني، أبا الطيب المتنبي وأبا القاسم الشابي. لكن الشاعر رامبو، والذي لم يكن يعرفه أحد، عاش حياةً قاسيةً حتى صار مهرِّب سلاحٍ بين عشائر اليمن، ومات دون أن يدركَ أن العالم سينشغل يومًا ما بشعره. في المقابل فإنَّ أشهر الدكتاتوريين، مثل هتلر، قابعون في مزبلة التاريخ، ولحق بهم آخرون ممَّن حققوا شهرةً زائفةً سرعان ما انطفأت برحيلهم...

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى