1«الشاعر لا يصف العالم؛ ذلك لأن له دورًا في خلقه»
أندريه تاركوفسكي، نحَّاتُ الزمن، مَن اتَّخذ من السينما قُدَّاسه، مَن اعتنق الشاعريَّة ملء دمه، والتوَّاقُ دائمًا إلى المثال، فنَّانٌ «نابتٌ» بكلِّ ما تحيلُ إليه الكلمة من تفرُّدٍ وتمرُّد. والنابتُ مفهومٌ صكَّه ابن باجة في كتابه «تدبيرُ المتوحّدِ»: «فأما من وقع على رأي صادق لم يكن في تلك المدينة، أو كان فيها نقيضه هو المعتقَد، فإنهم يُسمَّون النوابت»2. والنابتةُ في اللغة هي العشبُ الذي يَنبُتُ من تلقاء نفسه بين الزرع. هذا من ناحية الجذر اللغوي، أما من جهة المعنى ثقافيًّا، فإنَّ النابتَ هو اللامنتمي بين قومه بسبب تفرُّده، المنفيُّ في وطنه، وغريبُ الروح أينما ذهب. كان تاركوفسكي نابتًا بالمعنى الكامل للمفهوم، إذ امتلك نظريَّته الخاصَّة في الفنِّ بشكلٍ عام، وفي السينما بشكلٍ خاص، بها خالفَ الشائع بين بقيَّة أقرانه وتمرَّد على السائد عند أسلافه، إذ إنَّه وقع على رأي صادقٍ تمثَّل في مبدأ جماليٍّ محدَّدٍ اعتبرَه جوهر السينما كما سنوضِحُ في الفقرات التالية. جعلت نظريَّاته ورؤيته المحدَّدة هذه من أفلامه نسيجًا متفردًا وساحرًا؛ حيثُ سِدرة المنتهى من الشاعرَّية الحالمة والوجدُ الملتهب، في إطار سعيه الدائم نحو إحرازِ المطلق ولو للحظاتٍ قليلة، بوصفهِ الترياق الوحيد لتلك الغربة التي لازمته أينما حل.
التائقُ، أو الصعود إلى المثال:
حرص تاركوفسكي، في الفصل الثاني من كتابه «النحت في الزمن» والمعنوَّن: «الفن.. التوقُ إلى المثال»، على تحديد فهمه للفنِّ بصفةٍ عامَّةٍ قبل أن ينخرط في المعالجة النظريَّة لخصائصِ الفنِّ السينمائي.
منذ هبوط آدمَ وحواء إلى الأرض، والإنسانُ محكومٌ عليه بنضالٍ أبديٍّ من أجلِ تفسيرِ معنى وجوده. يتفاعلُ الإنسان باستمرارٍ مع العالم حوله تائقًا إلى المثال ونازعًا نحو المطلق. هذا الشوق إلى الأعلى، هذا الشبقُ إلى اللانهائي، هو مصدرُ بحثٍ الإنسان الدائم والحثيث، والذي يظهرُ في الشكلين الأساسيَّين للمعرفة: العلمُ والفن. يحاولُ كلًّا من الفنِّ والعلمِ استيعاب العالم ومعرفته. يتَّفقان في المبدأ: السعي وراء الحقيقة المطلقة، لكن يختلفان أقصى اختلافٍ في ما دون ذلك.
الفنُّ تجربةٌ ذاتية ناتجة عن إلهام، يعبِّرُ عن العالم بخلقِ صورٍ تكشفُ عن الجوهر، عن المطلق. يخاطب الإحساس والشعور، ويتركُ انطباعًا تطهيريًّا في النفس، ويستهويه الناس ويتفاعلون معه بقدر ما يبثُّ فيه المبدعُ من الصدق، وبقدرِ ما يشحنه بالطاقة الروحيَّة. بينما يعدُّ العلمُ معرفةً موضوعيَّةً تستندُ إلى العقل المحض والمنطق الصارم، تدحضُ بعضها بعضًا إزاء تطوُّرها، وتستلزم نوعًا من التعليم حتى يتعاطى الإنسان معها. لا تَدحَض العوالمُ الفنيَّة بعضها بعضًا كما تفعل كلُّ نظريَّةٍ علميَّةٍ جديدةٍ مع سابقاتها. قد تتناقضُ هذه العوالم فيما بينها، وقد يتمِّم بعضَها بعضًا، ولكن لا يمكن للواحدِ منها أن يُلغي الآخر، بل على النقيض تمامًا، كل عالم منها يسهمُ في إثراء سائر العوالم في عمليَّة تخصيبٍ لا تتوقَّف.
3«الفنَّانُ الذي يفتقر إلى الإيمان هو أشبهُ بالرسَّام الذي وُلِدَ كفيفًا»
الفنُّ عندَ تاركوفسكي في لبِّه إيمان. يتَّضحُ هذا جليًّا في المفردات التي يستخدمُها لوصفِ الإبداعِ الفنِّي: التطهير، المعجزة، الخلق، الفناء، الاتِّصال، الحب، الإلهام، الإشراق، الكشف، التوق، الطاقة الروحيَّة، الصدق، الحقيقة المطلقة. الفنَّانُ الحقُّ خادمٌ دائمًا، يحاولُ تسديد دَين موهبته التي وهِبها كما لو بمعجزة. يقتضي منه فنُّه أن يَفنى فيه، وأن يضحِّي في سبيل ما هو أجلُّ وأرفع. ولا يعبِّرُ الفنَّانُ عن تجربته الذاتيَّة لغرضِ التعبير عنها فحسب؛ رُبَّ فنانٍ لا يرومُ من فنِّه سوى أن يسمع صدى روحه وأفكاره، إنما يبتغي هدفًا أكثر سموًّا ومشاعيَّة، وهو الاتِّصال مع الناس عبر الصدق والحب.
الصدقُ يتمثَّل في نقلِ التجربة الذاتيَّة للمبدع حتى لا يشعر الناس بالفتورِ العاطفيِّ تجاه الصورة الفنيَّة، حتى يقبلوا ويتمثَّلوا التجربة الجماليَّة المنقولة إليهم. والحبُّ يتجلى في التضحية، التي هي أعلى مراتب توكيد الذات عبر إنكارها، وهو منحى معاكسٌ تمامًا للاتِّجاه السائد في الفنِّ الحديث الذي ينقدُه تاركوفسكي؛ إذ حاول ذلك الاتجاه توكيد قيمة الفردِ بما هي كذلك ولأجل مصلحتِه الخاصَّة. يضحِّي الفنَّان عبر تجريدِ روحه وتعرية نفسه في أعماله بُغية خلقِ رباطٍ روحيٍّ وثيقٍ وتواصلٍ شفَّافٍ مع الناس، دون وجود أيَّة مكتسباتٍ عمليَّةٍ وملموسةٍ لهذه التضحية. ويستخدم تاركوفسكي لفظةً خصبةً لا مندوحةَ عن الإمعان في كُنُهها، وهي لفظةُ الفناء (يفنى) حين يقول: «الإبداعُ الفني يقتضي من الفنَّان أن يَفنى بكلِّ ما تحملُه هذه الكلمة من حسٍّ مأساوي»4. ربَّما تفسِّرُ لنا لفظةُ الفناء مفهومَي الحب والتضحية بشكلٍ أنصع وتثريهِما كذلك. أما عن الحب، فلا حبَّ دون فناء، ذلك أنَّ منتهى الحب هو فناءُ المحبِّ في موضوعِ حبه. وأمَّا بالنسبة للتضحية، فالفناءُ مرادف لها. ويعني الرجلُ بالفناء أن يبذلَ الفنَّان نفسَه في سبيل فنِّه، أن يعطي كلَّه حتى يعطيه الفنُّ بعضَه، أن يستغرقَ بكُل ملِكاته ويستنفدَ كلَّ طاقتِه حتى يخلُق فنًّا حقيقيًّا يستقصي ما وسِعَه من المطلق ويدغدغ عاطفة الناس في آن. ولا يجوز إغفال أنَّ الحبَّ هو العنوانُ الأبرزُ للمسيحيَّة التي يُخلِص تاركوفسكي لها، وهو - وفقًا لها - السبيلُ الوحيدُ نحو المطلقِ الذي ينشده: «ومن لا يحب لم يعرف الله، لأن الله محبة»5. ومثلما لا سبيل إلى المطلق دون حب، فلا سبيلَ إلى المطلق أيضًا دون فناء.
تنظيرُ التائق
ينتمي تاركوفسكي إلى التقليد السوفْيتي القائم منذ ليڤ كوليشوف (Lev Kuleshov)، وسيرجي آيزينشتاين (Sergei Eisenstein) وفسيفولود بودوفكين (Vsevolod Pudovkin)، حيثُ ثنائيَّة "المُخرج-المُنظِّر". يواصل أندريه هذا التقليد ولكنَّه يفكِّرُ ضدَّهم صراحة. يفترضُ تاركوفسكي نظريَّةً بعينها، ترتسمُ من عنوان كتابه الذي دوَّن فيه ذكرياته وملاحظاته النظريَّة والتقنيَّة: «النحت في الزمن». يعودُ تاركوفسكي إلى الجذور وفيلم الأخوين لوميير الأول: «وصول القطار إلى محطة لا سيوتا» (Arrival of a Train at La Ciotat - 1896) باعتباره اللحظة التي وُلدت فيها السينما، ويرى أنَّ السينما قد خَلقت وأوجدت مبدأ جماليًّا جديدًا: القدرةُ على تسجيل الزمن ورصدِه. وهي إمكانيَّةٌ لم يسبق السينما إليها أيُّ فنٍّ آخر: «الزمن، المطبوع [المُسجَّل] في أشكاله وتجليَّاته الواقعيَّة: تلك هي الفكرة الأسمى للسينما بوصفِها فنًّا»6.
من غير المقبول أن نعرِّفَ السينما بوصفها الفنَّ السابع الذي تجتمعُ وتتآلفُ فيه كلُّ الفنونِ السابقة عليه فقط، أو بوصفها فنًّا تابعًا، فهي بحسبِ التعريفات المُخلِّة بقوامها المتفرِّد: إما تطويرًا للمسرح، أو وسيطًا مرئيًّا لنقلِ دُرِّر الأدب، أو حتى الصور الفوتواغرافيَّة أو اللوحات الحيَّة المتحرِّكة، أو مزيجًا من كلِّ ذلك. بيدَ أنَّ كلَّ هذا لا يكفي لأنْ تكون للسينما شخصيَّتها المستقلَّة وحيويَّتها الخاصَّة، وهو ما يُردفه تاركوفسكي: 7«هكذا يصبحُ الزمن الأساسَ الفعليَّ للسينما: كما الصوت في الموسيقى، واللونُ في الرسم، والشخصيَّةُ في الدراما».
ساهم كلٌّ من كوليشوف وآيزينشتاين وبودوفكين في تطويرِ اللغة السينمائيَّة ونظرياتها، وجمَعَهم الاعتقادُ بأنَّ المبدأ الجوهريَّ الذي يميِّزُ السينما هو المونتاج. يقول آيزينشتاين: «السينماتوغرافيا، أساسًا وقبلَ كلِّ شيء، هي المونتاج»8. بينما يتمرَّد عليهم تاركوفسكي بوضوح: «أيضًا لا أستطيع أن أقبلَ بفكرة أنَّ المونتاج هو العنصر المكوِّنُ الأساسي للفيلم، كما أكَّد - في سنوات العشرينات - أنصار سينِما المونتاج، أتباعُ كوليشوف وأيزينشتاين… كما لو أنَّ الفيلم يتحقَّق على طاولة المونتاج»9.
تُثمِرُ هذه المقدِرة الخصيبة على تسجيلِ الزمنِ الفعليِّ والإمساك به، عن المحدَّد الجمالي الأهم والأبرز في أفلام تاركوفسكي: الإيقاعَ. لا يتحقَّق الإيقاعُ في أفلامه عبر المونتاج المحسوبِ بدقَّةٍ وعناية، بل يستعيضُ عن المونتاج بالإحساس المكثَّف بـ«ثقل الزمن»10 وتدفقه كما دَوَّن: «الزمن المميَّز، المُمتدُّ عبر اللقطات، يخلقُ إيقاعَ الفيلم»11. إنَّ ثِقَل الزمن ونبضِه خلال لقطات الفيلم هو العاملُ المؤثِّرُ الأوحد 12في كينونة الفيلم، وهو كذلك المعيارُ المنظِّمُ الوحيدُ الذي تتنامى وتلتف حوله العناصر الباقية، والتي هي ثانويَّة يمكن أن يكتملَ الفيلم بدونها من غير أن تهتزَّ كينونته.
إذن يمكنُ القول إنَّ الإيقاع، النابع من ثقلِ الزمن وتدفُّقه عبر اللقطات وجريانه خلال شرايين الفيلم، هو جوهرُ سينما تاركوفسكي. ولكن كيف يمكنُنا أن نُعرِّف مفهوم «ثقل الزمن» بدقَّة؟ ما هو مصدره في الصورة؟ لا يسعنا أن نستنطق هذا المفهومَ الغامضَ للغاية وأن نقتربَ من ماهيَّته إلا من خلال كلماتِ الرجل:
«الإيقاع في السينما يتم توصيله بواسطة حياة الشيء المسجل على نحو مرئي في الكادر» ثم يوضح أكثر: «مثلما تستطيعُ أن تحدِّد، من اهتزازِ قصبةٍ، أيَّ نوعٍ من التيَّار المائيِّ وأيَّ ضغطٍ يوجد هناك في النهر، كذلك، وبالطريقةِ نفسها، نعرفُ حركةَ الزمن من تدفُّق عمليَّة الحياة المُعاد إنتاجها داخل اللقطة»13.
يعبر عن تدفق الزمن مجازيًا وعلى نحوٍ في غاية الرقة عبر تلقائية الطبيعة وتجلياتها، وإعادة إنتاج هذه التجليات الحيوية مرئيًا داخل الكادر. ولذلك يكثر في أفلامه: تساقط الأمطار، وجريان الأنهار، وهبوب الرياح، ويتكثَّف حضورها الحسي، وتحديدًا السمعي. وتختلف هذه العناصر في مقدار عنفوانها على حسب ضغط الزمن المطلوب، كما تختلف على حسب الحالة الشعورية المطلوب نقلها، فتتنوَّع بين كسولٍ خامدٍ راكد، وعاصفٍ مُفعمٍ سريع. غالبًا ما تمور خلفيات مَشاهده بالإيقاعات المختلفة لهذه الظواهر الطبيعية، ولنذكر بعض المشاهد على سبيل المثال لا الحصر: التتابع في فيلم «المرآة» (Mirror - 1975) الذي تهب فيه رياح شديدة تعصف بالأشجار والحشائش وتُسقط الكؤوس والأطباق الموجودة فوق الطاولة. أيضًا، هطول المطر المفاجئ حين تخيب آمال الأبطال الثلاثة بعد دخولهم إلى الغرفة المنشودة من فيلم «المُطارد» (Stalker - 1979)، وكذلك سقوط المطر الذي لا يتوقف تقريبًا على مدار فيلمه «نوستالجيا» (Nostalghia - 1983) ليعكس حالة الحنين والعزلة الطاغية، والنهر المتواجد دائمًا في الخلفية في «أندريه روبلوف» (Andrei Rublev)، ليعطي إحساسًا بالجَريان والحركة والتدفق.
تتنفَّسُ كلُّ لقطةٍ باستقلاليَّةٍ وفقًا لطبيعة الزمن المتدفِّق خلالها، ولا يجبُ بأيِّ حالٍ أن تتمَّ مقاطعة هذه العمليَّة العضويَّة. تبدأ اللقطة حين تدورُ الكاميرا، ثمَّ تشهقُ وتزفرُ حسب إيقاعها الخاص، حتى تأذن أخيرًا لشريط الكاميرا بأن يكفَّ عن الدوران. تملكُ كلُّ لقطةٍ حياتها بداخلها، تملكُ ضغط الزمن والإيقاع الخاصَّين بها. هكذا لا يضخُّ المونتاج الحياةَ داخل الفيلم، ولا يخلق حتَّى الإيقاع كما هو شائعٌ ومتعارفٌ عليه. وكذلك لا يوظِّفُه مخرجُنا لإظهار تناقضٍ ما أو إيضاح فكرةٍ أو أخرى داخل الأحداث: «فكرة "سينما المونتاج"، أي أنَّ المونتاج يجلب معًا مفهومَين وبالتالي يولِّدُ مفهومًا ثالثًا جديدًا، تبدو لي، مرَّةً أخرى، متنافرةً مع طبيعة السينما»14. أيُّ دورٍ يلعبه المونتاج في فيلم تاركوفسكي إذًا؟
القيمة الإبداعية للمونتاج في أفلامه تكمنُ في تنظيمِ ضغط الزمن عبر طول الفيلم، وفي تنسيق تدفُّق الزمنِ من كلِّ لقطةٍ إلى التي تليها. ولرفع ما قد ينطوي عليه هذا الكلام من إبهام، نطرح مثالًا يُوضِّحه ويقرِّبه لنا: في فيلم «المرآة» يستخدُم تاركوفسكي لقطاتٍ وثائقيَّة للجنود السوڤييت أثناء عبورهم بحيرة سيفاش. كان المونتاج بين هذه اللقطات الوثائقيَّة وبين لقطات الفيلم المصوَّرة مقنعًا لدرجةٍ أوهمت البعض بأنَّ تاركوفسكي قد أعاد تصويرَ هذه المشاهد وأضفى عليها لمسةً خاصةً كي تبدو كما لو أنَّها وثائقيَّة. يرجع هذا إلى الوعي الحاد بفكرةِ تدفُّق الزمن، ومحاولة خلق انسجامٍ وتناسقٍ بين هذه اللقطات الوثائقيَّة وبين لقطات تملكُ ضغطَ زمنٍ متقاربٍ داخل الفيلم، حتى لا يختلَّ الإيقاع ويظلُ الفيلمُ وحدةً متناغمةً ومتماسكة: «فالأعمالُ الفنيَّة تتشكَّل عبر معالجةٍ عضويَّة، متناسقة الأجزاء»15 وظيفةُ المونتاج هنا شعوريَّة حِسيَّة بحتة، وليست ذهنيَّةً منطقية؛ ذلك أنَّ وظيفته تكمن في الحفاظِ على سلاسة تدفُّق الزمن، وفي أن يحولَ بين الفيلم والنشاز، مانعًا هذا الأخير من إفسادِ تناغم الإيقاع.
الفيلم بالنسبة لتاركوفسكي كائنٌ حيٌّ لا بدَّ أن يصطَبِغ بالوحدة العضويَّة، ويتبنى هذه الفكرة إلى أبعد مدى ممكن. فعلى الرغم من أن المونتاج، كما أوضحنا، يُنسِّق ضغط الزمن بغية الحفاظِ على الوحدة الإيقاعيَّة للفيلم، فهذا أمرٌ موجودٌ سلفًا في المادَّة المصورة؛ حيث تنزعُ بحيويَّتها إلى الارتباط بالمواد الأخرى، لا عبرَ قرارات المخرج، بل في ترقُّبِ المخرج هذا النزوع الداخلي عن كثب: «تخلَّق الفيلم فجأةً، وعادت المادة إلى الحياة. الأجزاءُ باشرت في العمل على نحوٍ متبادلٍ كما لو كانت متَّصلةً بمجرى دم»16. بهذه الكلمات يصفُ تاركوفسكي كيف أنهم - بعد لأي - نجحوا أخيرًا في خلق نسخةٍ متماسكةٍ من فيلم «المرآة»17.
عبر الوحدة العضويَّة المرتكزة على تدفُّق الزمن بحريَّةٍ داخل اللقطات، ثمَّ على الوحدة الإيقاعيَّة الناتجة عن محاولةٍ حثيثةٍ ودقيقةٍ لخلقِ كتلةٍ زمنيَّةٍ منسجمةٍ ومصقولة، سعى تاركوفسكي إلى خلقِ فيلم هو عبارةٌ عن "جزءٍ لا يتجزَّأ". وهو ما لا بدَّ أن يُحيلنا إلى مفهوم هنري برغسون عن الزمنِ والديمومة18. يفرِّق برغسون بين نوعين من الإحساس بالزمن: الأول موضوعيٌّ خارجيٌّ ويمكن تقسيمه وهو الزمن كما نعبِّر عنه بالساعات والدقائق والثواني؛ أما الثاني فهو ذاتيٌّ باطنيٌّ لا يمكن تقسيمه وهو الزمنُ المرتبط بحالات الوعي وتداعيها.
النوع الثاني هو الأقرب لإحساسنا الحقيقي بالزمن، وهو النوع الذي يوظِّفه مخرجُنا في أفلامه. تمثِّل هذه النقطة مفتاحًا للتعاطي مع سينما تاركوفسكي، حيثُ يرتبط الزمن عنده بحالاتِ الوعي المختلفة كالتذكُّر والحلمِ على نحوٍ جوهري. يعبَّرُ عن الزمن كما نعيشه لا كما نحسِبه؛ فالوعي الإنسانيُّ لا تتابَع فيه الحالات على نحوٍ متوالٍ، وإنَّما تتشابكُ وتتداعى هذه الحالات بشكلٍ متزامنٍ وآنيٍّ لتخلقَ نسيجًا مركبًا يصعبُ عزل عناصره المتشابكة عن بعضها بعضًا. هذا التدفُّق المستمرُّ والجارف لحالات الوعي المختلفة هو ما يفضي بنا إلى الطبيعة الفسيفسائيَّة لأفلام الرجل، سواءً كانت فسيفساء زمنيَّة تعبِّرُ عن التشابك الذي شرحته للتو، أو فسيفساء بصريَّة توضِّحُ وتترجمُ نظيرتها الزمنية.
الطبيعة الفسيفسائيَّة لأفلام تاركوفسكي
19«الحاضرُ ينزلق ويتلاشى كالرملِ بين الأصابع».
بهذه الكلمات يكاد تاركوفسكي أن يتماهى مع نظريَّة برغسون عن الديمومة، وهي نظريَّةٌ يرتبطُ فيها الزمنُ جذريًا بالوعي، حيث تندثرُ اللحظة الراهنة إثر تكالبِ الماضي والمستقبل على دهسها، وإثر السيلان الدائم والتداعي الجارف لعوالم الإنسان الباطنيَّة على نحوٍ يُعجزنا عن تقسيم الزمن حسابيًّا. يتبنى تاركوفسكي مفهوم الديمومة عبر مفردتين أسلوبيَّتين: اللقطات الطويلة والمونتاج الدقيق. اللقطات الطويلة - كما أوضحنا - حتى يسمح للزمن بالتدفُّق بحريَّةٍ وبالسيَلان عبر الشاشة. كذلك يُترجِمُ مخرجنا النظريَّة سينمائيًّا، على نحوٍ أعمق وأشمل، عبر صقل المونتاج الذي يربطُ بسلاسةٍ بين قطع الفسيفساء الزمنيَّة، إذ يربطُ بين الحاضر والماضي، بين اللحظة الراهنة والذكرى، بين الحقيقة والخيال، وبين الواقع والحلم. يُصمِِّّم تاركوفسكي مشاهده بدقَّةٍ وعنايةٍ فائقتين، ولا يسترعي مونتاجه الانتباهَ للوثبات الزمنيَّة العديدة، فيتنقل بين حالات الوعي المختلفة بغزْلٍ رقيق. بل وأحيانًا تحضرُ أكثر من حالةٍ في نفس اللقطة، ولا مثال على هذا أفضلَ من مشهد النهاية البديع لفيلمه «نوستالجيا»، حين يجلس بطلنا جورتشاكوف رفقة كلبه أمام منزل طفولته الريفيِّ مطوقًا في الخلفية بأعمدةِ وأنقاضِ كاتدرائيَّة إيطاليَّة. شاعريةٌ زُلالٌ يَحضُرُ فيها الواقع متجسِّدًا في الكنيسة الإيطاليَّة والتي تمثِّل أين يعيش الآن، ممزوجًا بالحلمِ والحنين المُتجسِّدَين في منزل الطفولة الذي يمثِّل روسيا التي نُفِي منها.
لا يخلو أيٌّ من أفلامه من هذه التنقُّلات الرشيقة والشفَّافة، وهو ما يفسِّر لماذا قد تحتاجُ هذه الأفلام لأكثرَ من مشاهدةٍ حتى نستطيع الفصلَ بوضوحٍ ما بين ما يحدثُ أمامنا فعلًا وما يَختَلِجُ داخل نفسِ الشخصية. غير أنَّ ثمَّة ما قد يساعدنا في فكِ شيفرة هذه الفسيفساء الزمنيَّة المُركَّبة، أعني الفسيفساء البصريَّة. يعكسُ انجلاءُ الصورة وتقلُّبُها اللونيُّ حالةَ الفسيفساء الزمنيَّة، حيث يتنقَّل مخرجُنا بسلاسةٍ من الألوان إلى الأبيضِ والأسود، إلى البني الداكن، بما يتناسبُ بصريًا مع التنقُّل الدائمِ بين حالاتِ الوعي المختلفة.
أيضًا ثمَّة شيءٌ آخرُ يميِّز النسيجَ البصريَّ لأفلام تاركوفسكي: الحرصُ الدائم على تغريبِ الصورة للتأكيدِ على المسافة بين المُشاهد وبين ما يراه ولدفعِه إلى التأمل. ثمَّة غموضٌ ما يغمرُ الصورة، غموضٌ مُحايثٌ يُبرِز حالةَ الشاعريَّة الحالمة التي تُطوِّق أفلامه: لنأخُذ على سبيل المثال المشهد من فيلم «المرآة» الذي تغسلُ فيه الأم شعرها بالتصوير البطيء مصحوبًا بصوتٍ مُضخَّمٍ لحركة الماء في الإناء، ثم ينتهي - المشهد - بتساقطِ أجزاء من السقف، إلى جانب مشهدٍ آخر من ذات الفيلم، والذي تحلِّق فيه الأم فوق سريرها مع لمسات الأب على يديها، وهو ما يشبهُ كثيرًا مشهد العلاقة بين ألكسندر والخادمة من فيلم «القربان» (Sacrifice - 1986)، ثم المشهد من فيلم «المرآة» الذي فيه يحطُّ عصفورٌ فوق رأس الطفل أثناء تواجده في المعسكر والذي يتناصُّ بصريًا مع لوحة «الصيادون في الثلج» (The hunters in the snow) لبيتر بروخل الأكبر، وأخيرًا الظهور المفاجئ والمتكرر للكلب في مشاهدَ مختلفةٍ من «نوستالجيا».
يتحدَّى تاركوفسكي وعيَ المُشاهدِ وحرصَه على تحرِّي المنطق فيما يراه، في محاولته لخلق فيلمٍ أشبه بالحلم، وكذلك لرغبته في الابتعاد عن الطبيعيَّة أو الواقعيَّة التي يَرى فيها تكلفًا واصطناعًا: «ولأنَّ العالمَ غامض، فإن صدقَ الصورة الفنيَّة يكمن في أن تحمِل في طياتها بعضًا من ذاك الغموض»20. كما تحدَّث ذات مرة.
خفة الأبدي في اليومي
عبر خلقِ إحساسٍ بتدفُّق الزمن، والحرصِ الدائم على تغريبِ الصورة، إلى جانب الشاعريَّة الحالمة التي يجبُل عليها أفلامه، يُورِّطُ تاركوفسكي المُشاهد ويُرسِّبُ فيه حالةً قصوى من التأمُّل ترتكزُ بالأساس على الديمومة الزمنيَّة للقطات. إنَّ أسلوبه عبارةٌ عن نظرةٍ تأمليَّةٍ سابِرة ومثابرة، وتحديقٌ ورعٌ واستغراقٌ تامٌّ في اللحظة بالحواس كلِّها. إنَّها نظرةٌ مُحبَّةٌ ومُمتدَّةٌ على الحقيقي كأقصى ما يكون، وعلى الأرضي كأجلى ما يكون: نرى هذا جليًّا، مثلًا، في مشهدِ النهاية من فيلم «أندريه روبلوف» عندما ينتقلُ تاركوفسكي فجأةً من الأبيض والأسود إلى الألوان كي يستعرض أمامنا أيقونات ولوحات روبلوف بالتفصيل المملِّ لمدَّة ثماني دقائق تقريبًا، ثمَّ يقرر الانتقال بكاميرته ليُنهي فيلمه على لقطةٍ واسعةٍ لمجموعةٍ من الخيول يغمرها مطرٌ غزير.
اتَّسم تاركوفسكي بنظرةٍ غنوصيَّة إشراقيَّة، نظرةٌ تتحدَّى الجدليَّة العموديَّة السائدة حيث يُمكنُ الفصلُ بين ما هو أرضيٌّ ماديٌّ وبين ما هو سماويٌّ روحاني، نظرةٌ تتجاوزُ الثنائيَّات الارتقائيَّة: الدنيوي - السماوي، الملموس - غير الملموس، المادي - الروحاني، وصولًا إلى نظرةٍ مغايرةٍ (بانثيوسية)21 وِحدويَّةٍ ترى المُطلق كامنًا في لحمِ ودمِ الموجودات، كما ترى الحقيقةَ منطويةً في ثنايا العادي، والسماوي منعكسًا في ظلال الشواهد الدنيويَّة، والروحاني كامنًا في طيات المادي. بالنسبة لتاركوفسكي، النظرُ يعني الصلاة بكامل جوارحنا، وأن نُصلِّي لا يعني بالضرورة أن ننظر إلى أعلى، فمثلًا عندما يرقد "المطارد" على الأرض محتضنًا النباتات والحشائش، فهو بذلك يصلِّي.
والدليلُ على هذه النظرة الوحدويَّة هو أنَّ الطبيعة لا تظهر بتجلِّياتها في أفلامه لاعتباراتٍ جماليَّةٍ فحسب، بل تجلبُ حضورَها الذاتي والمستقل، وتملك حياةً بداخلها، كما أنها تنطوي على روحٍ متوارية، مثل الحقل في فيلم «المرآة»، وهبَّات الرياح التي يتمايلُ معها. تبدو هذه الهبَّات كما لو أنَّها منبثقةٌ من ثناياه، كما لو أنَّها تسكنُ هذه الأشجارُ والحشائش، وكما لو أنَّ الحقل يتنهد؛ فيظهرُ متجلِّيًا على الشاشة. هذا ما يؤكِّد عليه الرجل الذي جلس على السياج الخشبي بجانب شخصيَّة الأم، حين سألها بعدما انكسر السياج وسقطا على الأرض:
«ألم يخطر ببالك من قبلُ أن النباتات تستطيع أن تشعر، أن تعرف، بل وحتّى أن تفهم؟»
تحضُر الطبيعة بوجوهٍ متعدِّدة، فهي جمالٌ وعزاء، طمأنينةٌ وخصوبة، وهي أيضًا شرٌّ ولا مبالاة، قسوةٌ وتدمير. يجري النهر في فيلم «أندريه روبلوف»، حاملًا بجعبته رُفات الحياة ونذير الموت، حين يحمل جثمانَ الرسام الشاب فوما وبقايا الطلاء الأبيض في إثره، وهو الطلاء الأبيض نفسه المتحلِّل من فرشاة الرسام حينما كان يغسلها في مياه النهر.
أفلام تاركوفسكي عبارة عن شطحاتٍ في غياهب اللاوعي، رقعةٌ فسيحةٌ من الأحلام، فيها تتمازجُ الأماكن ببعضها بعضًا، وفيها يسيلُ فيها الزمن عبر الشاشة. إنَّها تجلِّيات فنيَّة من أهْيَب ما يكون، ومرثياتٌ لكلِّ ما نتوق إليه ولا نستطيع الإمساك به، وحنينٌ لا ينضبُ إلى البراءة، وتلهُّفٌ لا ينضو إلى المطلق. جاء تاركوفسكي من أقصى المدينة ليقول: «أنت لست قطرة ماءٍ في محيط، بل محيطٌ بأكمله في قطرةِ ماء»22. عبثًا إذن قد يُحاول أيُّ شخصٍ منطَقَةَ أفلامِ تاركوفسكي، أو فهمها عبر مِنظارٍ إيديولوجي، إنما هي إشراقاتٌ ينبغي التفاعل معها بالحدس وسبرِها بالتأمُّل. فسينما تاركوفسكي لا تُخاطب العقل، إنما تخترق جدار العاطفة إلى ما هو أعمق، تاركةً جروحًا وجودية وندوبًا وجدانيَّة.
عاش في مقام الفناء دائمًا، فمنحه هذا خلودًا يُعجزُ كلَّ فَناء.