10 أفلام عظيمة ألهمت تاركوفسكي

باترك غامبل
و
April 4, 2025

«بالنسبة لي، تاركوفسكي هو الأعظم، هو الرجل الذي اخترع لغةً جديدةً ووثيقة الصلة بالمعنى الحقيقيِّ للفيلم، لغةً تصوِّرُ الحياةَ انعكاسًا وحلمًا».
إنغمار بِرغمان

في مقابلة مع ناوم أبراموف عام 1970, وصف تاركوفسكي السينما بأنَّها «فنٌّ لا يتقنهُ إلَّا عددٌ قليلٌ من المخرجين يمكن عدُّهم على أصابع اليد الواحدة». أظهر هذا الفنان الصريح - الذي آمن أنَّ السينما هي الوسيلةُ الأقدرُ على الإجابة على آلاف الأسئلة التي تضعها الحياة أمامنا - قدرته على أن يكون ناقدًا لغيره من المخرجين، إذ أبدى نفوره التام من نظريات المخرجين السوفييت الأوائل، كما أنَّه ازدرى بعض أعمال معاصريه.

على أيِّ حال، فقد كان تاركوفسكي يكتب بنهم، يدوِّن يوميَّاته أثناء تصوير أفلامه، ولطالما كتبَ عن دور الفيلم في المجتمع الحديث. في هذه الكتابات تطرأ بعض الأسماء مثل «روبير بروسون، إنغمار بِرغمان وكِنجي ميزوغوشي» بشكلٍ متكرِّر، أسماءُ أخرى تظهر هنا وهناك، ولكنها لا تبلغ مبلغَ الأسماء المذكورة آنفًا. إنَّ تقدير تاركوفسكي لغيره من المخرجين وأفلامهم كان دائمًا تقديرًا موزونًا، محمَّلًا بشكلٍ من أشكال النقد، فهو يجلُّ كوروساوا ويعتبره واحدًا من أعظم المخرجين في العالم، إلَّا أنَّه لم يتردد لحظةً في انتقاد ما يظنُّه تأثيرات بصريَّة دون المستوى في نهاية فيلم «عرش الدم» (Throne of Blood - 1957). كما أنه أثنى على فيلم جيمس كاميرون «ذا ترميناتور» (The Terminator - 1984) قائلًا: «إن رؤيةَ المستقبل وعلاقة المرء بمصيره تدفعان السينما بوصفها فنًّا إلى أقصى تخومها»، ولكنَّه كذلك ينتقدُ ما في الفيلم من «وحشيَّةٍ ومهاراتِ تمثيلٍ محدودة».

تصبو القائمة التالية إلى النظر لما وراء المرآة، وإلى إلقاء الضوء على بعض الأفلام التي ساهمت في تكوين وتشكيل اللغة السينمائيَّة الفريدة لمجمل أعمال تاركوفسكي. وبينما يبرز تأثيرُ بعض المخرجين في أن نرى تشابهًا جماليًّا مذهلًا، يكون تأثير البعض الآخر غير مباشر، وموارى تحت ثراء البناء الثيماتي لأعمالهم. إلا أنَّ جميع الأفلام المذكورة أدناه والمخرجين الذين قاموا بصناعتها لعبوا دورًا هامًا في تشكيل بصمة تاركوفسكي الفريدة.

«الأرض» (Earth - 1930) إخراج ألِكسندر دوفجنكو

«إن كان لزامًا على المرء أن يعقدَ مقارنةً بيني وبين شخصٍ آخر، يتعين أن يكون هذا الشخص هو دوفجنكو. لقد كان أوَّلَ مخرجٍ يولي اهتمامًا خاصًا لمشكلةِ الشعور العام».
أندريه تاركوفسكي

أشيع أنَّ تاركوفسكي، عشيَّة كل مشروعٍ جديد، يقوم بإعادة مشاهدةِ فيلم «الأرض» لدوفجنكو. بل وذهب أبعدَ من ذلك أثناء تصويره فيلم «المرآة» (Mirror - 1975) عندما قام بزراعة حقلٍ كاملٍ من الحنطة السوداء في مرحلة ما قبل إنتاج الفيلم، في محاولةٍ منه لإعادة خلق ذكريات الطفولة لحقل النبات الأبيض المتدفِّق، وكذلك المناظر الطبيعيَّة الخلابة عند دوفجنكو. 

والنتيجة كانت واحدًا من أكثر مشاهد الفيلم شهرة، فيلمٌ يحملُ تمازجًا متقنًا من الذكريات والأحلام، ينهضُ فيه الطبيب من الأرض وتموج عاصفةٌ رائعةٌ من الرياح عبر حقلِ الحنطة السوداء باتجاه الكاميرا.

«أضواء المدينة» (City Lights - 1931) إخراج تشارلي تشابلن

عام 1972، وعندما طلبَ الناقد السينمائي ليونيد كوزلوف من تاركوفسكي أن يضع قائمته لأفضل عشرةA أفلام، قام بإدراج فيلم «أضواء المدينة» لتشارلي تشابلن في المركز الخامس، إيمانًا منه بأنَّ تاريخ السينما الصامتة يعدُّ استهلالًا لما كان يعتبره الصناعة الحقيقيَّة للأفلام. غير أنَّ احتواء قائمته على هذا الفيلم يشير إلى إعجابه بتحقيق تشابلن لذاته كمخرج. كما كان يكُنُّ إعجابًا بكفاءة عمل تشابلن وكيف أدَّى استخدامه لفنِّ البساطة «المينيماليزم» (Minimalism) في تحسين صناعته للأفلام. وتثير أفلام تشابلن أيضًا نوعًا من المراوغة الروحانيَّة! وهذا الفهم لقدرة الكاميرا على تسجيلِ التغلغلِ البارع للروح الإنسانيَّة هو ما يربطُ عمله بعمل تاركوفسكي. وعند ملاحظة شخصيَّتهما بتؤدئة، لا يوجدُ فارقٌ بينهما، تائِهين في عالمٍ يشعران أنَّه غريبٌ عنهما، وبينما يبحثان عن إجاباتٍ تبحث الكاميرا عن معنى أسمى.

«الأطلنطي» (L'Atalante - 1934) إخراج جان فيغو

إنَّ تأثير جان فيغو واضحٌ في طريقةِ بناء تاركوفسكي للمكان، فقد كان يعتقدُ أن الفيلم يجب أن يكونَ ساحةً عاطفية يُعبِّر فيها المخرجُ عن تجربته، لا عن نِتاج بنائه. كان يرى أيضًا أن تصميمَ المَشَاهد يجب أن يسمحَ للمتفرج بتقديمِ قراءته الخاصة. وللتدليلِ على هذا استشهد تاركوفسكي بمشهدٍ في بداية فيلم «الأطلنطي»، حيث يسيرُ العروسان من الكنيسة إلى العبَّارة، مارِّين حول ثلاثةِ أكوامٍ هائلةٍ من القش. إزاء هذا المشهد يتساءل تاركوفسكي: «ما هذا؟ أهو طقسٌ أم رقصةُ خصوبة»؟ ثم يجيب: «لا هذا ولا ذاك، إن هذا المشهد ذو مغزى، لا لطريقةِ سرده الأدبيَّة، ولا لحمولته الرمزيَّة ولا لمجازه البصري، بل لوجوده المحسوس المكثَّف! نحن هنا أمام شكلٍ ناضحٍ بالمشاعر».

«يوميات كاهن في الريف» (Diary of a Country Priest - 1951) إخراج روبير بروسون

على الرغم من الاختلاف الجمالي بين أسلوبي تاركوفسكي وبروسون - يفضِّلُ تاركوفسكي اللقطات الطويلة فيما يفضِّل بروسون اللقطات الشذريَّة القصيرة - فقد أُعجِبَ الأول كثيرًا بالتزام الثاني أسلوبِ الواقعية. وقد قال تاركوفسكي إنَّ فيلم «يوميات كاهن في الريف» هو أعظم فيلمٍ شاهدَه على الإطلاق، وقد افتتن بقدرةِ بروسون على طرْح المبالغة الزائدة في أثناء بحثِه عن الحقيقة. كان اللاهوت المسيحي موضوعًا متكررًا في أفلام المخرجَيْن، وكذلك كان الكربُ الروحي والتضحيات الشخصيَّة التي يتحمَّلها الأفراد وسط عالمٍ غارقٍ في المادية. على أنَّ أوجه التشابه بين المخرجين تظهر بجلاء في أفلامِهما الأخيرة، إذ يُعد فيلم «المال» (L'Argent - 1983) وفيلم «التضحية» (The Sacrifice - 1986) خلاصة شعريَّة لبحثِهما عن النعمة في عالمٍ وحشي. 

«يوغيتسو» (Ugetsu - 1953) إخراج كينجي ميزوغوشي

كان للمشاهِد الطويلة والمُتأنية في أفلام كينجي ميزوغوشي، ونقاء لغتها البصرية، تأثيرًا جماليًا على أعمال تاركوفسكي؛ فقد اعترف في مقابلة له مع مجلة «تيليراما» 1979 أن مشهدًا من مشاهد فيلمه «أندريه روبلوف» (Andrei Rublev - 1966) حيث كان الأمير الروسي يحاول اللحاق بالتتار قد يظنه الناس مخطئين أنه مشهدٌ من فيلم ميزوغوشي «يوغيتسو» والذي يعتبره نموذجًا مثاليًّا. «إن جودة الصورة بالأبيض والأسود، والمناظر الطبيعيَّة، وشفافيَّة السماء الملبَّدة بالغيوم، تتشابه بغرابةٍ مع المناظر الطبيعية المرسومة بالحبر الصيني [...] إنَّه مشهدٌ لا يُطعِم حبكة الفيلم، بل يحاولُ التعبير عن حالة الروح». يُذكر أن تاركوفسكي أدرج اسم ميزوغوشي في قائمةٍ صغيرةٍ وضع فيها أسماء المخرجين الذين سعوا جاهدين في خلقِ عوالمهم الخاصة، أطلق على هذه القائمة اسم «شعراء السينما» وهو مصطلحٌ يتَّفق مع تعبيره الخاص بالسينما.

«عرش الدم» (Throne of Blood - 1957) - إخراج أكيرا كوروساوا

لم يكن تاركوفسكي معجبًا بفيلم «عرش الدم» حيث لم يعجبه كيف أنَّ أكيرا كوروساوا «نسخَ قصَّة شكسبير بسطحيَّةٍ» على حدِّ تعبيره، لكنَّه كان معجبًا بأعمالِ المخرج ككل. حتى أنَّ الشائعات تشير إلى أنَّ رسمة أكيرا كوروساوا على الجدار في فيلم «المُطارِد» هو تكريم لتأثيره البالغ. لكن هنالك مشهد واحد في «عرش الدم» قد أعجب تاركوفسكي؛ عندما يضيع جيش واشيزو وسط الضباب، يستخدم أكيرا فيه شجرةً بارزةً تعبر عن ارتباكِهم، حيث يوضح المشهد المتكرِّر لهذه الشجرة أنَّ الفرسان كانوا يدُورون في المكان ذاته، وكانت قدرة كوروساوا على التعبير عن ارتباك الجنود بالرواية البصريَّة وحركات الكاميرا البسيطة بدلًا من الحوار هو ما أراد تاركوفسكي تكريمه.

«نازارين» (Nazarín - 1959) إخراج لويس بونويل

في كتابه عن أفلامه الشخصية وأدوار الفن والسينما «النحت في الزمن»، يصف تاركوفسكي لويس بونويل بأنَّه «حاملٌ للوَعي الشعريِّ قبل كلِّ شيء»، واختار تاركوفسكي فيلم بونويل «نازارين» ليكونَ في المرتبة الثالثة على قائِمته لأعظَم الأفلام في التاريخ والتي وضعها سنة 1972. عُرِف بونويل بسرياليتِه المتمرِّدة، لكنَّ ما ألهم تاركوفسكي حقًا هو ارتقاء بونويل بالخطاب السينمائي ليتجاوزَ واقع الحياة اليوميَّة. ومن خلال إيمانه بأنَّ المُشاهد عليه أن يتفاعل مع الفيلم كما يتفاعل مع الأحلام، أُعجِب تاركوفسكي بمقاربة لويس بونويل المرحة للخيال، وهو ما نراه يتجلَّى في أفلامٍ عدَّة على غرار البناء غير الخطي لفيلم «المِرآة» وفيلم «المُطَارِد» (Stalker - 1979)، والذي وظف فيه تاركوفسكي الصفات السحرية للنطاق ليتلاعب في الزمان والمكان.

«المغامرة» (L'Avventura - 1960) إخراج مايكل-أنجلو أنطونيوني

في رواية «زونا» (Zona) للكاتب جيف داير، التي تمثِّلُ رحلةً صريحةً إلى افتتان الكاتب بفيلم «المُطَارِد» لتاركوفسكي، استُخدِمَ فيلم «المغامرة» كمثالٍ نموذجي على الفيلم الأوروبي الذي لا يهزُّه الزمن قبل أن يقوم الكاتب بازدرائه. المفارقة المثيرة للسخرية، هي أنَّ السبب الذي دعا جيف داير لذكر فيلم «المغامرة» هو تعبير تاركوفسكي عن حبِّه للفيلم، حيث وصفه بأنَّه فيلمٌ معجزةٌ في مقال كتبه لمجلَّة «Sight & Sound» سنة 1983. يمكن ملاحظة تأثير أنطونيوني على تاركوفسكي بوضوح في فيلم «نوستالجيا» (Nostalghia - 1983) (الذي كُتب سيناريوه بمشاركة تونينو غويرا، المتعاون الدائم مع أنطونيوني). وكما فعل أنطونيوني، يقوم تاركوفسكي بتجريدِ الإطار من الحركة، ممَّا يدفع المشاهد إلى إقامةِ نوعٍ مختلفٍ من العلاقة مع البطل، وبالتالي الولوج بعمقٍ أكبرَ إلى عالمه الداخلي.

«أضواء الشتاء» (Winter Light - 1963) إخراج إنغمار بِرغمان

ثمَّة العديد من العناصر في أعمال تاركوفسكي تأثَّرت بشكلٍ مباشر ببِرغمان، غير أنَّ الاستخدام التعبيري للصوتِ والصمت عند المخرج السويدي هو أكثر ما ألهم تاركوفسكي. لقد أُعجب بتوظيفه للصمتِ لخلق فراغ إلحادي في عالم مادّي ينمو سريعًا، وكذلك أُعجب بقدرته على أن يحدد أصواتًا بعينها، ثمّ يقوم بتضخِيمها. إحدى اللحظات التي استشهد بها كانت من فيلم «أضواء الشتاء» عندما يُعثرُ على جثَّة الصياد، وصوتُ تيَّار الماء من الجدول المجاور هو الصوت الوحيد الذي يمكن سماعه، مالِئًا الفراغ بمساحة يستوجب فيها البطل أزمته الروحية. لقد تعاون تاركوفسكي مع مهندس الصوت الخاص ببِرغمان أوو سفينسون، في آخر أفلامه «التضحية»، والذي كان يحملُ صبغةً بِرغمانيَّة واضحة.

«لون الرمان» (The Color of Pomegranates - 1969) إخراج سيرجي باراجانوف

قال سيرجي باراجانوف مرةً إنَّه لولا فيلم «طفولة إيفان» (Ivan's Childhood - 1962) لما صنع شيئًا يذكر! ونرى تأثير تاركوفسكي طاغيًا على جميع أفلام باراجانوف، إلا أن هذا التقدير لم يكن من جانب واحد، بل كان تأثيرًا متبادلًا؛ حيث أثَّرتْ أفلام باراجانوف - بجمالِها المُربك وتركيبتها التي تشبه الأحلام - على أفلام تاركوفسكي الأخيرة. ونستشفُّ بجلاءٍ تأثير «لون الرمان» - الذي تلتقي فيه الذاتيَّة بالموضوعيَّة تلاقيًا شاعريًا - على كلٍّ من «نوستالجيا» و «التضحية»، حيثُ يعطي المخرجان حزنَهما الداخليَّ شكلًا شعريًا، ويصبغان به معاناةَ أبطالِهما.

المصدر

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى