اُشتُهرَ المُخرج والمؤلَّف الكندي «ديفيد كروننبرغ» بأفلام الرُّعب، وعلى وجهِ الخُصوص أفلام رُعب الجسد الدمويَّة، التي ضَربت على الوتر الحسَّاس؛ تحديدًا أثناء أزمَة الإيدز في ثمانينيَّات القرن الماضي. ولكِن من الإجْحاف أن يُصنَّف على أنَّه مُخرج أفلَام رُعب وحسَب! وهو المُخرِج الذي طالمَا دفَع نَفسهُ إلى أقصاهَا، مُقاربًا على الدَّوام مواضِيع جديدة ومتبنيًا أسالِيب حديثَة. لقد صَنع أفلاَم إثارةٍ نفسِية، وأفلَام عِصابَات وخَيال عِلمي، ودراما تاريخيَّة، بل وفِيلما رياضيّا أيضًا. عَاَلج في هذا الثَّراء المتنوّع موضُوعات الهوِية والعائِلة والعُنف والجنسانيَّة. وحتَّى الآن لا يُظهر «كروننبرغ » أي علامَات على التَّراجع، ويُعد بحقّ واحدًا من أكثر المخرجين غِنىً وتعقيدًا في عَالمِ السِّينما الحَديثة.
«السلالة -(The Brood (1979»
بعد فِيلمَيه «Shivers, 1975» و«Rabid, 1977» المصنَّفين كَفيلميّ رعبٍ جسدي، رَفع «كروننبرغ» مِعيار التحدِّي في فِيلمه «The Brood, 1979»، وهو فيلمُ غُموض تَدور قِصَّته حول عددٍ من جرائِم القتل الشَّنيعة المرتبِطة بإحدى العائِلات، حيثُ تخضَع الأم إلى علاجٍ نفسيّ تجريبيّ. أكثر ما اشتُهر عن هذا الفِيلم هو خاتمتُه الدمويَّة، لكِن الفَضل والتذكُّر إنما ينبغِي أن يُوجِّها إلى الأدَاء الخالِد لكُلِّ مِن «أوليفر ريد» الذي لعِب دور الخبيث المشؤُوم «د. هال راغلان»، والتاريخيَّة «سمانثا إيغار» في دورِ «نولا كارفيث»، المرأةُ التي وَهَبَ غضبُها الجارِف الحياةَ لِنسلِها المتوحِّش.
«المنطقةُ الميِّتة -(The Dead Zone (1933»
مِن بين جمِيع الأفلاَم ذاتِ الأفكاَر الواضِحة [High- Concept] لـِ «كروننبرغ،» يبرُز فِيلم «المنطقةُ المِّيتة» بِوصفِه أكثرها إنسانيةً. وهذا الفِيلم يدُور حَول «جوني» الذي يَكتشِف -بعدَما أفاَق من غيبوبةٍ دامت خمسَ سنين- أنَّ حياتهُ مضَت وتركتهُ وراءهَا. وبينما يؤقلمُ نفسَهُ وحياتَه الجدِيدة، يعلمُ بقُدرته على التنبُّؤ بمُستقبلِ من يتواصَل معهُم، ممَّا يضعُ على كاهِله عبئًا غير مرغُوب فيه وصدمة. إنَّ عُنصر الخيال العلميِّ يمنحُ هذا الفيلمَ المُقتبس من رِواية «ستيفن كينج» صِفةَ الغُموض، إلا أن الحُزن الذي يُشِيعهُ «كريستوفر واكن» -مصحوبًا بموسِيقى «مايكل كامن» السَّاحرة- يخلُق قدرًا من التِّراجيديا الشكسبيريَّة.
«فيديودروم -(1983) Videodrome»
ثمَّة أكثر من مُجرَّد يدِ «جيمس وودز» النَّاتجة عن طفرةٍ جينيَّة أو المجسَّمات الُمغوِية للتلفازِ في فيلم «فيديودروم».
الفِيلم كان ردَ فِعل «كروننبرغ» على الهلعِ المُؤذي لِلفيديو في بداية الثمانينيَّات، وهو سبرٌ مروِّع للأغوَار لما يُمكِن أن يتبدَّى لِلعيَان إذا أعاد المُشاهدِون تطبِيق مَشاهِد العُنف والجِنس المُباحة لهم على شرائِط الفيديُو.
المحقِّق ماكس رين «وودز» الموظَّف التنفِيذيِّ السَّابق في التليفزيُون هو بطلٌ مُمتاز، ولكِن النجمَة الحقيقيَّة في الفِيلم هي فَلسفتُه الخطيِرة لِما تطرَحهُ باستِمرار من أسئلةٍ مُحرِّضة عن العَلاقةِ بين المُجتمع ووسائِل التِكنولوجيَا والتَّرفيه.
«ديد رينجرز -(Dead Ringers (1988»
فِيلم «ديد رينجرز» لـِ «كروننبرغ» لم يتقدَّمه أداءٌ واحِد فحَسب بل أداءان عَظِيمان من «جيريمي آيرونز».
لَعِب المُمثَّل البريطاني دوْر طَبِيبين تَوأمينِ للأمراضِ النسائيَّة، «بيفرلي» و «إليوت مانتل»، ثُنائي متناقِض عاطفيًا ويعتمِدان على بعضِهما لدرجةٍ بائِسة. سَاعدت سَلاسَة المؤثرِّات الخاصَّة أدَاءه الاستثنائيِّ وكان مقنِعًا لدرجة من السَّهلِ الاعتِقاد خطأً في وجُود مُمَثِّلَينِ مُنفصلَين. مِن ناحيةٍ أُخرى تلعَبُ المُمثِّلة «جينيفيف بوجولد» دَورِ الرَّكيزة الثَّابتة بين التَّوائم، اِستحوَذت على اِهتِمامهمَا عِلميًا وعَاطفيًا. هذا فِيلم بارعٌ على المُستوى الحِرفيِّ والوجدانيِّ لكِن الكَمدَ المُسيطِر عليه يجعلُه رُبَّما من أكثرِ أفلَام «كروننبرج» كآبةً.
«تَصادم -(Crash (1996»
مبنيّ على الرِّواية المُثيرة لِلجدَل التي تحمِلُ نفسَ العُنوان لِلكاتب «جاي-جي بالارد»، يتعقَّب الفِيلم مجمُوعةً من الأشخَاص الذِين يُطوِّرون حسًا تَذوقيًا مُتطرِّفًا (فيتشيا) لِحوادثِ السيَّارات. الفِيلم مصوَّر تقريبًا كالأفلامِ الإباحيَّة، ويؤيِّد أُسلوبًا مُتلصِصًا باردًا جماليًّا، ومُتشظيًا عاطِفيًا. طاقِمُ التَّمثيل الذي يَشملُ كلًّا مِن «جيمس سبادر» و «إلياس كوتياس» و «هولي هنتر» يُقدِّمون أداءَاتٍ أَشبَه بالكائِناتِ المُنعزِلة، يُمثِّلون بِتكلُّف باردٍ مُصطنعٍ ويتحدَّثون بِالهمسَات. ورَغم أنَّ الفِيلم ليسَ غرائِزيًا كحالِ بعض أفلامِ «كروننبرج» فهو يثبت أنه نقدٌ خلَّاب لِلمُتعة، والجنسْنة العصريَّة لِلمركبَات.
«وعُود شرِقيَّة ـ (2007) Eastern Promises»
لعلَّ العُنف في فِيلم «وُعود شرِقيَّة» هو الذرّوةُ الطبيعيَّة لهِوسِ «كروننبرغ» بِهذا الموضُوع. فمَع أن العُنف يبدُو هنا أقلَّ تَواترًا من أفلامِه الأُخرى ولكِنَّه صادِم و حَادّ، اِبتداءً من المشهدِ الأوَّل حيث تُجزّ حنجرة أحدِ أعضَاء المافِيا الرُّوسية، وصُولًا إلى المشهدِ المُتقن لِلقتال في الحمَّامِ. وتتجسَّد تضحِياتُ الشخصيَّات في هَيئةِ نُدوبٍ، أو وشُوم يَحظَون بها مُقابِل الاِحترامِ والوَلاءِ. ومع أن شخصيَّات هذا الفِيلم لا تُظهِر التشوُّهات نَفسَها التي تُظهِرها الشخصِيَّات في فِيلم «The Brood» أو فِيلم «The Fly»، إلا أن هَشاشتَها مكُشوفةٌ ومُثيرةٌ لِلعواطِف.
«الَمدينةُ العالميَّة -(Cosmopoli (2012»
بينمَا يركبُ إريك باكر «روبرت باتينسون» سيَّارة لِيمُوزين تَقودُه عَبر نيويورك في رحلةٍ طَويلةٍ إلى حلَّاق طُفولتِه، يَشهد انهِيار إِمبراطُوريَّته الماليَّة أمامَ أنظارِه. إنَّه يتوقُ إلى إعادةِ الاتِّصال بالعَالَم الحقيقيِّ، وهو ما يُحقِّقه لا مِن خِلال ذكرَياتٍ مشحُونة بالعاطِفة، ولكِن بِوساطَة مُحادثاتٍ فلسفيَّة مكثَّفة مع أتْرابِهِ. يجْري تحلِيل مواضِيع مثل الوَقت والرأسماليَّة بعنايةٍ، وَبطرِيقة مُستغلِقة وساحِرة في آنَّ، تمامًا مِثل النصِّ المرجِعي لِلكَاتب «دون ديليلو». إن رِسالة فِيلم «Cosmopolis» شدِيدة التَّعقيد بحيثُ لا يُمكِن استِيعابُها في جلسةٍ واحِدة، ولكِن مَزجَ «كروننبرغ» بين الحِوار المكثَّف والعنَاصِر البصريَّة الأنيقَة؛ يَحبُكُ نَسيجًا مُجزيًا لطَالمَا كان معهودًا في أعمَالِه.
«الذُّبابَة -(1986) The Fly»
المَنظرُ الكِلاسيكيُّ لِلتحوُّل الجسديِّ المُنفِّر والمُقزِّز لِجسَد سيث برندل «جيف غولدبلوم» مَنظرٌ مُذهل فازَ بجائزِة الأُوسكار لأفضلِ مكيَاج، لكِنَّه مع ذلِك، أقلَّ أجزَاء الفِيلم إثِارةً. كما هو حال «المِنطقة الميتِّة»، إنَّ «الذُّبابَة» مأسَاة حيثُ تتَدهورُ "حيَاة وعَلاقة" على يديّ تجرِبةً علميَّة منحُوسة. سوءُ مُنقلبِ «برندل» يتجسَّد كمرضٍ مُهلِك، يقتُله بِبُطء، جاعِلًا إيَّاهُ يتأمَّل في وجُودِه تأمُّلًا عَميقًا.
«الغَداءُ العارِي -(1991) Naked Lunch»
«الغَداءُ العارِي» ليسَ اِقتباسًا لروايةِ «ويليام بوروز» الكبُرى أكثَر مِمَّا هي إِهداءٌ لحياةِ الكاتِب وأعمَالِه. أولًا: يبدُو كفِيلم إِثارَة سيرياليٍّ لِجاسُوس عن مُدمِنِي المخدِّرات، لكِنَّه يتحوَّل إلى وُجهةِ نظرٍ بلِيغة لتأثِير الأدَب والكُتّاب. إنه فظِيع، وتهكُّمي وغالبًا غرِيبٌ ملِيءٌ باِلاستِعارَات والصُّور التي لا تتَّضحُ حتى بَعد مُشاهداتٍ عدِيدة. أَخرَج «كروننبرغ» أفلامًا أفضَل مِنه، لكِن نادرًا ما تجلَّت موهِبتهُ علَى نحوِ حيٍّ.
«َتاريخٌ لِلعُنف -(2005) A History of Violence»
إنَّ فِيلم «تَاريخٌ لِلعُنف» من بينِ أفلاَم «كروننبرغ» بارِز في كَونِهِ أسهَل فِيلم مُشاهَدةٍ -بَصريًّا وموضُوعيًّا-. البطَلُ، توم ستول «فيغو مورتنسن»، يَملِك قَدرًا عَظيمًا من التَّواضُع والدِّفْء، لكِنَّهُ عِندما يُهدِّد، يَصعُب كظمُ غرائِزه الخطِرة. عَواقِب الجَريمةِ هي موضُوع الفِيلم حيثُ تُؤثِّر أفعَال «توم» على جمِيع من يتفاعَلُ معهُ. هذا الفِيلم أيضًا أعلَى أفلَام «كروننبرغ» أرباحًا حتَّى اليوم. هل يا ترُى يُدِين العُنف، كمَا أَظهَر سابقًا! وتِباعًا، يُدِين مُشاهِديه الذِين اِحتفَوا بِوصمتَه الفرِيدة الوحشيَّة لعشَراتِ السِّنين؟