«انظر إلى الأرض لأنَّ فيها كلُّ شيء، ولا وقت لديَّ للنظر إلى السماء. إنَّ السماء للأحرار، والأرض للتائهين».
هكذا يعبِّر السيد جواو (جواو سيزار مونتيرو)، بطل ومخرج فيلم «ذكريات من المنزل الأصفر» (Recollections of the Yellow House - 1989)، عن نفسه للعابرين، دون أن يطيل الحديث عن نفسه أو يسعى لجذب الانتباه. يعيشُ في عزلةٍ داخل غرفته الصغيرة في النزل، الذي يبدو فيه كأنَّه يتميَّزُ بحياةٍ مألوفةٍ خاليةٍ من أيِّ شغف. يقعُ هذا النزل في أحدِ شوارع لشبونة القديمة، وتملكه سيِّدةٌ في الخمسينيات من عمرها، ثريَّةٌ ومهووسةٌ بالنظافة والترتيب، تدير المكانَ على نحوٍ صارمٍ كما لو كان معسكرًا.
داخل تلك الغرفة الضيِّقةِ المليئة بالأثاث الخشبيِّ البسيط، يقضي السيد جواو أيامه رفقةَ مذياعه العتيق وصحفه اليوميَّة ودفتره وقلمه، وكأن هذه الأشياء هي كلُّ ما يملِكه في حياته الصعبة. من خلال الراديو، يبقى على اتِّصالٍ بالعالم الخارجي، مستمعًا إلى الأخبار والمباريات المحلية، بينما يتقنُ فنَّ الحياة في أوقات فراغه. تمرُّ الأيام ببطء، موثَّقةً من خلال عدسة المخرج البرتغالي الفيلسوف، الذي هو جواو مونتيرو بطل القصة، داخل غرفةٍ فارغةٍ إلا من تأمُّلاته.
تلك الجدران، التي تفتقرُ إلى اللوحات والأشكال الطفوليَّة، تعكسُ شعوره بالوحدة. يتأمل فيها كما يتأمَّلُ السجين في جدران زنزانته ليلًا، وكأنه يحاول نقشَ أملٍ غير مرئيٍّ في الفراغ. يتمنى لو باستطاعته الكتابة بخطٍّ عريض: "لولا فسحةُ الأملِ لضاقت الحياة".
صور تجسد الحياة المتقطعة!
عيد ميلاد جواو، وجوده مع جارته في المقهى، تسلله ليلًا عبر النافذة ليتأمل ابنة مالكة النُزل... كلها لحظات تعكس حياة مشحونة بالانفصال، ولكن في تفاصيل هذه اللحظات، نجدُ فتراتٍ من تحدِّي الزمن، كما لو كانت استراحاتٍ قصيرةً في خضمِّ رتابةِ العزلة. هذه المشاهد، كما في الفيلم، تجسِّدُ واقعَ الحياة حيثُ لا شيء يدوم، وكلُ شيءٍ زائل، وصورةُ الفناءِ تتكرَّرُ بلا حدود.
يجسِّدُ جواو صورةَ بطلِ فيلم برنار كيسان الفرنسي «الرجل النائم» (The Man who sleeps - 1974)، ذلك الكائن الغريب الذي يتجول في عزلته كالأشباح بين أيامه، ولا يمتلك سوى عددٍ محدودٍ من الجوارب وربطات العنق. يستيقظُ في منتصف الليل، متوجِّهًا بمفرده نحو السينما، وكأنَّه في رحلة بحثٍ عن شيءٍ غامضٍ لم يزل مفقودًا في ظلامه الدامس.
تعبِّرُ عدسة مونتيرو عن عمق الحزن الذي يعانيه الإنسان في عصرنا الحديث بأسلوبٍ شاعري، إلَّا أنَّها لا تُغفِلُ قسوةَ الواقع، فالإنسانُ هنا محاصرٌ بالعزلة، لا يتحلَّى بخصالٍ نبيلةٍ ولا يتقمَّصُ دور البطلِ المأساوي. جواو ليس أكثر من رجلٍ يتبنَّى الاتكالية بكل جوانبها، سواء ماديًّا أو عاطفيًّا، منتظرًا من الحياة أن تمنحه ما لم يسْعَ لتحقيقه. يبذلُ الحدَّ الأدنى من الجهد ليعيشَ حياةً بالكاد تلامسُ حدودَ الكرامةِ الإنسانيَّة. يزور والدته المسنَّة ليس بدافعِ الحبِّ أو الشوق، بل لأخذِ المال منها، ثمَّ يقضي يومه متسكِّعًا ما بين الشوارع والمقاهي، بنظراتٍ فارغةٍ وروحٍ لا تعبأ بشيء، كأنَّ وجودَه ليس إلا مجرَّد فعلٍ عابر، خالٍ من أيِّ انتماءٍ حقيقي.
مشهدٌ آخر يصور نهايةً تليق بحياةِ جواو البائس
يقدِّمُ جواو صورةً لوجودِه الساكن وكأنَّه يعيشُ حياةَ عمَّال المناجم، حيث تنعكسُ آثارُ الكدِّ والتعبِ الروحي الشديد الذي لا يُمحى في ملامحهم. تتكرَّرُ أيَّامه بلا غاية، كما لو أنَّ الزمن قد توقَّفَ من حوله، محاصرًا في دوامةٍ من الرتابة التي لا تنتهي.
في لحظةٍ دراميَّةٍ مؤلمة، تلتقط عدسةُ مونتيرو صورةً تجسِّد انسيابيَّة الزوال، حين تضطرُّ جارتُه الجميلةُ إلى الانفصالِ عن كلبها الصغير، ذاك الرفيقُ المخلصُ الذي فقدَ مكانته في عالمِها. تختارُ زيارة عيادة القتل الرحيم للحيوانات، بينما يسيرُ جواو بجانبها، محاولًا تخفيفَ وطأةِ الحزن الذي يثقل قلبها، وذلك على الرغم من أنَّه يكافحُ في داخله ليشعرَ بالحزن أو بفراغِ الفقدِ بطريقةٍ طبيعيَّة.
يظهر الممرِّضُ الذي يتولَّى المهمَّة، وهو رجلٌ ذو ملامح لطيفة، كقسٍ يرتدي عباءةَ الرحمة. يرافقُ الكلبَ المسكينَ نحو مأواه الأخير بخطواتٍ خفيفةٍ تشبه طقوسَ جنازةٍ هادئة. يلتفتُ الكلبُ بنظرةِ وداع، في واحدةٍ من تلك اللحظات التي يختزلُ فيها الصمتُ المعانيَ كلَّها، ثمَّ يُغلَقُ باب العيادة، وتنتهي القصَّة بالنسبةِ له.
يذهبُ جواو وجارته إلى المقهى، حيث يتناولان القهوة ويتبادلان الحديثَ عن معاناتهما الشخصيَّة، وكأنَّ الحياةَ كلَّها محكومةٌ بعبثيَّةٍ ثقيلة، أو كأنَّها مشهدٌ أخيرٌ يليقُ بنهايةِ بطلٍ لا يجدُ له مكانًا إلَّا في الهامش، حيثُ تتلاشى الحياة بصمت، كما تتلاشى النظرة الأخيرة في عيون كلبٍ ينتظر الرحيل.
مونتيرو: شاعر الفوضى السينمائيَّة
يتميَّزُ جواو سيزار مونتيرو بلقب الشاعر الاستفزازي، وهو لقب يعكسُ تمامًا شخصيَّته وأسلوبَه السينمائي. في أفلامه، تتجسَّد حالةٌ فريدةٌ من الجنون الشعري، حيث يتشابكُ العبث مع التأمل، والسخرية مع الحساسية المفرطة، مما يدفعُ المشاهد إلى حالةٍ من التردُّد بين التعاطفِ والسخط، بين الفهم والرفض. إنَّه سينمائيٌّ يرفضُ الامتثالَ لأيِّ قواعد، يحتضنُ الفوضى كمنهج، وهو الأمرُ الذي جعل منه شخصيَّةً استثنائيَّةً في تاريخ السينما.
وقد قال عنه المنتج باولو برانكو:
«إذا كان هناك شخصٌ عاش حرًا تمامًا، حيث تتشابكُ الحياة والإبداع دائمًا، فهو جواو سيزار مونتيرو. لم يلتزم أبدًا بأيِّ قواعد، وكان دائمًا يجلب شعورًا بـ "الجنون" إلى عمله، وهو شيءٌ اعتنقه بفخر. لهذا السبب تعدُّ أفلامُه ضروريَّةً وفريدةً من نوعها في السينما العالميَّة1».
وتأكيدًا لهذا التميُّز الرفيع، نال فيلمه «ذكريات من المنزل الأصفر» جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقيَّة السينمائي عام 1989، ليبقى علامةً بارزةً على بصمته الفريدة في عالمِ السينما. هذه البصمة، التي لا تجد لها مكانًا في أيِّ تصنيفٍ محدَّد، تتأرجحُ بين ألوانِ الهزلِ العميق ونغماتِ التراجيديا الساخرة، مما يجعلُها تجربةً لا تُنسى.
في نعي ونشأة مونتيرو
أفصحت الصحافة البرتغاليَّة عن وفاة جواو سيزار مونتيرو بطريقةٍ اعتبرها البعض "قاسيةً" وغير إنسانيَّة، وذلك بعد معركةٍ مريرة مع مرض السرطان، في عام 2003 عن عمرٍ يناهز 64 عامًا. لم يكن رحيله مجرَّدَ حدثٍ عابرٍ في صفحة التاريخ، بل استمرَّ صدى نعيه يتردَّد في أرجاءِ الصحافةِ العالمية، محتفظًا بلقبٍ خالدٍ ملازمٍ له: غريب الأطوار.
حتى بعد رحيله، ظلَّ مونتيرو محطَّ جدل، وكأنَّ شخصيَّته الاستثنائيَّة لم تكن لتسمح له بالرحيل بسلام. لم يكن مجرَّد مخرج، بل كان روحًا متَّقدة، شاعرًا بالفطرة، ومجنونًا بالفن بأسلوبٍ لا يمكن احتواؤه. وقد ترك خلفه إرثًا سينمائيًا لم يسعَ إلى انتزاع الاعتراف به، بل كان هدفه إحداث صدمةٍ لدى المُشاهدِ وإثارة تساؤلاته أكثرَ من تقديم الإجابات.
عند رحيله، ذكرت بعضُ الصحفِ البرتغاليَّةِ أنَّ مونتيرو، الذي يتمتَّعُ بخيالٍ عالميٍّ ولكنَّه مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بلِشبونة، كان رجلًا فاسدًا يميلُ إلى نزعةٍ بيوريتانيَّةٍ غامضة، بالإضافة إلى تمتُّعه بجماليَّةٍ صارمةٍ تأثَّرت بروحٍ قديمة. كان فنانًا معقدًا وصعب المراس بشكل متعمد، حيث كان يرفضُ وبشدَّةٍ الانتماء إلى أيِّ "مدرسةٍ" سينمائيَّةٍ محدَّدة. عوضًا عن ذلك، كرَّس جهوده لنمطٍ من الحداثة الرفيعة، والتي غالبًا ما بدت مشوَّهةً ومفتونةً بتداخلٍ غنيٍّ بين السينما والفنون الأخرى، ولا سيَّما الشعر والرسم، والمسرح والأدب وكذلك الموسيقى.
وكما هو الحال مع أفلام مواطنه مانويل دي أوليفيرا (1908 - 2015)، حملت سينما مونتيرو أجندةً سياسيَّةً غامضةً وحادَّةً بالتناوب، مستهدفةً على نحوٍ متكرِّرٍ الثالوث المقدَّس المتمثِّل في الكنيسة والدولة والأسرة. من خلال تعامله مع الأساطير والخرافات البرتغالية، سعى مونتيرو لاكتشاف مفاتيح تساعدُ في فهمٍ أعمق للَّاوعي الوطني، مع الإشارة إلى كيفيَّة استمرار التقاليد الإمبرياليَّة والأبويَّة للبلاد في تشكيل هويَّة مواطنيها. في أعماله المتأخِّرة المميَّزة، على غرار «كوميديا الرب» (God's Comedy - 1995) و «تعال واذهب» (Come and Go - 2003)، جسَّد مونتيرو هوسه الدائم بالجسدِ والجنس المنحرف.
نشأ مونتيرو في أسرة كاثوليكية متدينة، لكنَّه أعلن إلحاده عند بلوغه سن الرشد. في العديد من أفلامه الأخيرة، أدَّى دور "جواو دي ديوس"، وهي شخصيَّةٌ سُمِّيَت على اسم قدِّيس البغايا والعجزة وصيادي الأسماك المولود في البرتغال، لكنَّها في جوهرها علمانيَّةٌ تمامًا. كان شخصيَّةً حالمة ومنحرفة، أشبه بـ باستر كيتون، ينجذبُ إلى الشابات، ويواجه النظام الاجتماعيَّ القائمَ بصبرٍ متحَدٍّ. كما قاد مَنطِقُه الدينيُّ الغريبُ تطوُّرَ أسلوبِه البصريِّ الاستثنائي، الذي انتقلَ من مشاهِدَ جذريَّةٍ في أعماله الأولى إلى تقشُّفٍ متزايد، شكَّلته قناعتُه العميقةُ بعدمِ الثقة بالضوء الاصطناعي، والتي بلغت ذروتها في تقديسه للنقاء البصري في «بياض الثلج» (Snow White - 2000)، وسعيه لالتقاط سرِّ الضوء الطبيعيِّ وظلالِه المتغيِّرة.